نقدم التهانى بحلول شهر رمضان الكريم على كل اعضائنا ومشرفينا واداريين جنه الاحلام ومل المسلمين بكل مكان اعاده الله عليكم باليمن والبركات كلمة الإدارة


اعلانات شبكة جنه الاحلام

فعاليات العيد

 
مركز تحميل جنة الاحلام

التميز خلال 24 ساعة
 العضو الأكثر نشاطاً هذا اليوم   الموضوع النشط هذا اليوم   المشرف المميزلهذا اليوم 

كل عام وانتم بخير احلى تهنئة لاحلى اعضااء
بقلم : همس الروح


الإهداءات


العودة   منتديـات جنة الاحلام > كورسات جنة الاحلام > منتدى التربيه والتعليم

آخر 10 مشاركات احبك احبك خربشات يفيض بها المشاعر عندما يشووف الكلمات بالحب وتيرجمها الي نبض المشاعر اليك... (الكاتـب : - آخر مشاركة : - مشاركات : 2 - المشاهدات : 4 - الوقت: 01:20 PM - التاريخ: 09-08-2010)           »          حرقت طفلتها وجلدتها ..والسبب!!!!! (الكاتـب : - آخر مشاركة : - مشاركات : 1 - المشاهدات : 2 - الوقت: 01:08 PM - التاريخ: 09-08-2010)           »          يلا ياجماعة العيد جانا يلا ندخل (الكاتـب : - آخر مشاركة : - مشاركات : 13 - المشاهدات : 37 - الوقت: 01:01 PM - التاريخ: 09-08-2010)           »          كل عام وانتم بخير احلى تهنئة لاحلى اعضااء (الكاتـب : - آخر مشاركة : - مشاركات : 3 - المشاهدات : 12 - الوقت: 12:55 PM - التاريخ: 09-08-2010)           »          المياه شفاء الامراض سبحان الله.... (الكاتـب : - آخر مشاركة : - مشاركات : 3 - المشاهدات : 4 - الوقت: 12:49 PM - التاريخ: 09-08-2010)           »          أمواج رمتنى على بحر منتداكمـ (الكاتـب : - آخر مشاركة : - مشاركات : 5 - المشاهدات : 14 - الوقت: 12:29 PM - التاريخ: 09-08-2010)           »          وصل لرقم 10 وامر اي عضو يحط اسمك في توقيعه لمدة 3 ايام (الكاتـب : - آخر مشاركة : - مشاركات : 4 - المشاهدات : 10 - الوقت: 10:33 AM - التاريخ: 09-08-2010)           »          برنامج الشات الرائع :: Yahoo! Messenger 10.0.0.1267 :: باخر اصدار وعلى أكتر من سيرفر (الكاتـب : جنےـٌوٍن إْلَـشُِـےـوٍق - آخر مشاركة : - مشاركات : 4 - المشاهدات : 62 - الوقت: 09:30 AM - التاريخ: 09-08-2010)           »          صور نانا | احدث صور نانا | جديد صور نانا (الكاتـب : - مشاركات : 8 - المشاهدات : 26 - الوقت: 09:23 AM - التاريخ: 09-08-2010)           »          برنامج لمعرفة باسوورد الويرلس (الفراشة) (الكاتـب : - آخر مشاركة : - مشاركات : 4 - المشاهدات : 86 - الوقت: 03:36 AM - التاريخ: 09-08-2010)

إضافة رد
قديم 11-11-2009, 12:28 PM   #1 (permalink)
مديره الموقع
 
الصورة الرمزية جنه حزينه من القلب
افتراضي

تشي جيفارا


صورة الأب غير طاغية على المشهد فهو مهندس معماري، ميسور الحال، دائم التنقل قضى آخر أيامه في كوبا، لكن الأم عُرفت بأنها مثقفة ونشطة وهي التي نفخت في الفتى من روحها الشغوفة بتاريخ الأرجنتين، بل وأمريكا اللاتينية كلها.. وربته على سِيَر المحررين العظام أو "آباء الوطن"، وعلى قصائد الشعر لا سيما الشعر الأسباني والأدب الفرنسي.
كان الفتى النحيل الذي لا يتعدى طوله 173 سم يمارس الرياضة بانتظام لمواجهة نوبات الربو المزمن التي كانت تنتابه منذ صغره. أما روحه فكانت لاذعة ساخرة من كل شيء حتى من نفسه، وقد أجمعت آراء من اقتربوا منه أنه كان يحمل داخله تناقصا عجيبا بين الجرأة والخجل، وكان دافئ الصوت عميقه، كما كان جذابا وعبثي المظهر كذلك.
اضطرت العائلة إلى ترك العاصمة والانتقال إلى مكان أكثر جفافا؛ لأجل صحة الفتى العليل، وفي أثناء ذلك كان اللقاء الأول بين أرنستو والفقر المدقع والوضع الاجتماعي المتدني في أمريكا اللاتينية.
جيفارا الطبيب

في مارس 1947 عادت الأسرة إلى العاصمة ليلتحق الفتى بكلية الطب، وعند نهاية المرحلة الأولى لدراسته حين كان في الحادية والعشرين من عمره قام بجولة طويلة استمرت حوالي 8 أشهر على الدراجة البخارية نحو شمال القارة مع صديق طبيب كان أكبر منه سنا وأقرب إلى السياسة. ومن هنا بدأ استكشاف الواقع الاجتماعي للقارة، وبدأ وعيه يتفتح ويعرف أن في الحياة هموما أكثر من مرضه الذي كان الهاجس الأول لأسرته؛ فرأى حياة الجماعات الهندية، وعاين بنفسه النقص في الغذاء والقمع.. ومارس الطب مع عمال أحد المناجم وهو ما حدا بالبعض أن يصفه بأنه من الأطباء الحمر الأوروبيين في القرن 19 الذين انحازوا إلى المذاهب الاجتماعية الثورية بفعل خبرتهم في الأمراض التي تنهش الفقراء.
ليصبح شيوعياً

وفي عام 1953 بعد حصوله على إجازته الطبية قام برحلته الثانية وكانت إلى جواتيمالا، حيث ساند رئيسها الشاب الذي كان يقوم بمحاولات إصلاح أفشلتها تدخلات المخابرات الأمريكية، وقامت ثورة شعبية تندد بهذه التدخلات؛ ما أدى لمقتل 9 آلاف شخص، فآمن الطبيب المتطوع الذي يمارس هواياته الصغيرة: التصوير وصيد الفراشات، أن الشعوب المسلحة فقط هي القادرة على صنع مقدراتها واستحقاق الحياة الفضلى. وفي عام 1955 قابل "هيلدا" المناضلة اليسارية من "بيرون" في منفاها في جواتيمالا، فتزوجها وأنجب منها طفلته الأولى، والعجيب أن هيلدا هي التي جعلته يقرأ للمرة الأولى بعض الكلاسيكيات الماركسية، إضافة إلى لينين وتروتسكي وماو.
جيفارا وكاسترو
غادر "جيفارا" جواتيمالا إثر سقوط النظام الشعبي بها بفعل الضربات الاستعمارية التي دعمتها الولايات المتحدة، مصطحبا زوجته إلى المكسيك التي كانت آنذاك ملجأ جميع الثوار في أمريكا اللاتينية.
كان قيام الانقلاب العسكري في كوبا في 10 مارس 1952 سبب تعارف جيفارا بفيدل كاسترو الذي يذكره في يومياته قائلا: "جاء فيدل كاسترو إلى المكسيك باحثا عن أرض حيادية من أجل تهيئة رجاله للعمل الحاسم".. وهكذا التقى الاثنان، وعلى حين كان كاسترو يؤمن أنه من المحررين، فإن جيفارا كان دوما يردد مقولته: "المحررون لا وجود لهم؛ فالشعوب وحدها هي التي تحرر نفسها". واتفق الاثنان على مبدأ "الكف عن التباكي، وبدء المقاومة المسلحة".
بداية الثورة
اتجها إلى كوبا، وبدأ الهجوم الأول الذي قاما به، ولم يكن معهم سوى ثمانين رجلا لم يبق منهم سوى 10 رجال فقط، بينهم كاسترو وأخوه راءول وجيفارا، ولكن هذا الهجوم الفاشل أكسبهم مؤيدين كثيرين خاصة في المناطق الريفية.
وظلت المجموعة تمارس حرب العصابات لمدة سنتين حتى دخلت العاصمة هافانا في يناير 1959 منتصرين بعد أن أطاحوا بحكم الديكتاتور "باتيستا"، وفي تلك الأثناء اكتسب جيفارا لقب "تشي" يعني رفيق السلاح، وتزوج من زوجته الثانية "إليدا مارش"، وأنجب منها أربعة أبناء بعد أن طلّق زوجته الأولى.
وقتها كان "تشي جيفارا" قد وصل إلى أعلى رتبة عسكرية (قائد)، ثم تولى بعد استقرار الحكومة الثورية الجديدة -وعلى رأسها فيدل كاسترو- مناصب:
- سفير منتدب إلى الهيئات الدولية الكبرى.
- منظم الميليشيا.
- رئيس البنك المركزي.
- مسئول التخطيط.
- وزير الصناعة.
ومن مواقعه تلك قام جيفارا بالتصدي بكل قوة لتدخلات الولايات المتحدة؛ فقرر تأميم جميع مصالح الدولة بالاتفاق مع كاسترو؛ فشددت الولايات المتحدة الحصار، وهو ما جعل كوبا تتجه تدريجيا نحو الاتحاد السوفيتي وقتها. كما أعلن عن مساندته حركات التحرير في كل من: تشيلي، وفيتنام، والجزائر.
ثورات جيفارا
وعلى الرغم من العلاقة العميقة القوية بين جيفارا وكاسترو، فإن اختلافا في وجهتي نظريهما حدث بعد فترة؛ فقد كان كاسترو منحازا بشدة إلى الاتحاد السوفيتي، وكان يهاجم باقي الدول الاشتراكية.
كما اصطدم جيفارا بالممارسات الوحشية والفاسدة التي كان يقوم بها قادة حكومة الثورة وقتها، والتي كانت على عكس ما يرى في الماركسية من إنسانية.. فقرر جيفارا مغادرة كوبا متجها إلى الكونغو الديمقراطية (زائير)، وأرسل برسالة إلى كاسترو في أكتوبر 1965 تخلى فيها نهائيا عن مسؤولياته في قيادة الح**، وعن منصبه كوزير، وعن رتبته كقائد، وعن وضعه ككوبي، إلا أنه أعلن عن أن هناك روابط طبيعة أخرى لا يمكن القضاء عليها بالأوراق الرسمية، كما عبر عن حبه العميق لكاسترو ولكوبا، وحنينه لأيام النضال المشترك.
وذهب "تشي" لأفريقيا مساندا للثورات التحررية، قائدا لـ 125 كوبيا، ولكن فشلت التجربة الأفريقية لأسباب عديدة، منها عدم تعاون رؤوس الثورة الأفارقة، واختلاف المناخ واللغة، وانتهى الأمر بجيفارا في أحد المستشفيات في براغ للنقاهة، وزاره كاسترو بنفسه ليرجوه العودة.
بوليفيا والثورة الأخيرة
بعد إقامة قصيرة في كوبا إثر العودة من زائير اتجه جيفارا إلى بوليفيا التي اختارها، ربما لأن بها أعلى نسبة من السكان الهنود في القارة.
لم يكن مشروع "تشي" خلق حركة مسلحة بوليفية، بل التحضير لرص صفوف الحركات التحررية في أمريكا اللاتينية لمجابهة النزعة الأمريكية المستغلة لثروات دول القارة.
وقد قام "تشي" بقيادة مجموعة من المحاربين لتحقيق هذه الأهداف، وقام أثناء تلك الفترة الواقعة بين 7 نوفمبر 1966 و7 أكتوبر 1976 بكتابه يوميات المعركة.
وعن هذه اليوميات يروي فيدل كاسترو: "كانت كتابة اليوميات عادة عند تشي لازمته منذ أيام ثورة كوبا التي كنا فيها معا، كان يقف وسط الغابات وفي وقت الراحة ويمسك بالقلم يسجل به ما يرى أنه جدير بالتسجيل، هذه اليوميات لم تُكتب بقصد النشر، وإنما كُتبت في اللحظات القليلة النادرة التي كان يستريح فيها وسط كفاح بطولي يفوق طاقة البشر".

اللحظات الأخيرة
في يوم 8 أكتوبر 1967 وفي أحد وديان بوليفيا الضيقة هاجمت قوات الجيش البوليفي المكونة من 1500 فرد مجموعة جيفارا المكونة من 16 فردا، وقد ظل جيفارا ورفاقه يقاتلون 6 ساعات كاملة وهو شيء نادر الحدوث في حرب العصابات في منطقة صخرية وعرة، تجعل حتى الاتصال بينهم شبه مستحيل. وقد استمر "تشي" في القتال حتى بعد موت جميع أفراد المجموعة رغم إصابته بجروح في ساقه إلى أن دُمّرت بندقيته (m-2) وضاع مخزن مسدسه وهو ما يفسر وقوعه في الأسر حيا.
نُقل "تشي" إلى قرية "لاهيجيراس"، وبقي حيا لمدة 24 ساعة، ورفض أن يتبادل كلمة واحدة مع من أسروه.
وفي مدرسة القرية نفذ ضابط الصف "ماريو تيران" تعليمات ضابطيه: "ميجيل أيوروا" و"أندريس سيلنيش" بإطلاق النار على "تشي". دخل ماريو عليه مترددا فقال له جيفارا: "أطلق النار، لا تخف؛ إنك ببساطة ستقتل مجرد رجل"، ولكنه تراجع، ثم عاد مرة أخرى بعد أن كرر الضابطان الأوامر له فأخذ يطلق الرصاص من أعلى إلى أسفل تحت الخصر حيث كانت الأوامر واضحة بعدم توجيه النيران إلى القلب أو الرأس حتى تطول فترة احتضاره، إلى أن قام رقيب ثمل بإطلاق رصاصه من مسدسه في الجانب الأيسر فأنهى حياته.
وقد رفضت السلطات البوليفية تسليم جثته لأخيه أو حتى تعريف أحد بمكانه أو بمقبرته حتى لا تكون مزارا للثوار من كل أنحاء العالم.
جيفارا الرمز والأسطورة
اغتيل جيفارا, هو ذاك الطبيب والشاعر, هو الثائر وصائد الفراشات. وحتى بعد مرور وقت طويل على مقتله, ما زالت بعض الاسئلة من الصعب الاجابة عليها, فلم يحسم احد حتى اليوم أمر الوشاية بجيفارا. وأيضاً لا أحد يعرف أين قبر جيفارا الحقيقي مع أن البعض زعم اكتشافه.
ففي عام 1998 وبعد مرور 30 عاما على رحيله انتشرت في العالم كله حمّى جيفارا؛ حيث البحث الدءوب عن مقبرته، وطباعة صوره على الملابس والأدوات ودراسة سيرته وصدور الكتب عنه.
اصبح جيفارا رمز الثورة واليسار في العالم اجمع, فيراه اليساريون صفحة ناصعة في تاريخهم المليء بالانكسارات والأخطاء، وأسطورة لا يمكن تكرارها على مستوى العمل السياسي العسكري، وهذا ما تؤيده مقولته الرائعة لكل مناضل ومؤمن بمبدأ على اختلاف اتجاهه "لا يستطيع المرء أن يكون متأكدا من أن هنالك شيئا يعيش من أجله إلا إذا كان مستعدا للموت في سبيله".
مات الثوري وماتت الاسطورة النادرة, مات ذلك الجسد الذي لم ينهكه الربو, بل اغتالته الديكتاتورية. لكن الروح لم تمت لتبقى خالدة, لتبقى رمز الثورة والنصر




يتبع

التوقيع :

لمشاهدة الوصلات والصور في التوقيع أن يجب أن تكون لديك 10 مشاركات أو أكثر. أنت الآن تملك 0 مشاركة.


لمشاهدة الوصلات والصور في التوقيع أن يجب أن تكون لديك 10 مشاركات أو أكثر. أنت الآن تملك 0 مشاركة.

  رد مع اقتباس
قديم 11-11-2009, 12:29 PM   #2 (permalink)
مديره الموقع
 
الصورة الرمزية جنه حزينه من القلب
افتراضي

تيمور لنك


تعرَّض العالم الإسلامي لغزوات همجية من قِبَل المغول في القرن السابع الهجري، عصفت بالبلاد وألقت الفزع في القلوب، فسقطت بغداد في أيديهم، وكان سقوطها كارثة هائلة ألمَّت بالمسلمين وزلزلت كيانهم وأضعفت ثقتهم في أنفسهم، لولا أن تدارك السلطان "سيف الدين قطز" هذا الموقف بانتصاره الخالد على المغول في "عين جالوت"؛ فردَّ الروح، وأعاد الثقة، وأوقف الزحف المغولي الكاسح، ورده ودفع خطره.
وبعد مرور نحو قرن ونصف القرن من هذا الإعصار المدمر الذي حمله "هولاكو" على الشرق عاد الإعصار مرة أخرى على يد "تيمورلنك".

المولد والنشأة
في إحدى قرى مدينة "كش" ولد تيمور في (25 من شعبان 736 هـ = 8 من إبريل 1336م). ومدينة كش هي اليوم مدينة "شهر سبز"، أي المدينة الخضراء بالفارسية، وتقع جنوبي سمرقند في أو**كستان.
عاش تيمور أيام صباه بين أفراد قبيلة "البرلاس" الأو**كية أقرباء أجداده، وأتقن فنون الحرب الشائعة عند القبائل الصحراوية من الصيد والفروسية ورمي السهام، حتى غدا فارسًا ماهرًا، متقنًا لرمي السهام.
بداية الظهور
وعندما تُوفِّي "كازغان" آخر إيلخانات تركستان سنة (758 هـ = 1357م) قام "تغلق تيمور" صاحب "كاشغر" بغزو بلاد ما وراء النهر، وجعل ابنه "إيلياس خواجه" قائدًا للحملة، وأرسل معه تيمور وزيرًا، ثم حدث أن ساءت العلاقة بين الرجلين؛ ففرَّ تيمور، وانضم إلى الأمير حسين حفيد كازغان آخر إيلخانات تركستان، وكان الأمير حسين صهرًا لتيمور.
ونجح الاثنان في جمع جيش لمحاربة إيلياس خواجه، لكنهما لم ينجحا في تحقيق النصر، وفرَّا إلى خراسان، وانضما إلى خدمة الملك "معز الدين حسين كرت". ولمَّا علم الأمير تغلق تيمور بوجودهما بعث إلى معز الدين بتسليمهما له، غير أن تيمور وصاحبه هربا إلى قندهار ومنها إلى سيستان، فاحتال واليها وهاجمهما، وفي أثناء الهجوم أصيب تيمور بجراحات شديدة، وتعرضت قدمه اليمنى لضربة أورثتها عاهة جعلته يعرج، فسُمِّي بـ"تيمورلنك" أي تيمور الأعرج.
ثم عاود الاثنان جمع الأتباع والأنصار، ونجحا في مهاجمة إيلياس خواجه، وتمكنا سنة (766 هـ = 1364م) من السيطرة على بلاد ما وراء النهر، ثم لم يلبث أن وقع الخلاف بين تيمورلنك وصهره، حسمه الأول لصالحه، ودخل سمرقند في (12 من رمضان 771 هـ = 14 من إبريل 1370م)، وأعلن نفسه حاكمًا عليها، وزعم أنه من نسل جغتاي بن جنكيز خان، وأنه يريد إعادة مجد دولة المغول، وكوَّن مجلس شورى من كبار الأمراء والعلماء.

التوسع على حساب جيرانه
قام تيمور بتنظيم جيش ضخم معظمه من الأتراك، وبدأ يتطلع إلى بسط نفوذه، فاتجه إلى خوارزم، وغزاها أربع مرات بين عامي (773- 781 هـ = 1372- 1379م)، نجح في المرة الأخيرة في الاستيلاء عليها وضمها إلى بلاده، بعد أن أصابها الخراب والتدمير من جراء الهجوم المتواصل عليها، وفي أثناء هذه المدة نجح في السيطرة على صحراء القفجاق، والتي تمتد بين سيحون وبحيرة خوارزم وبحر الخزر.
ولَمَّا اضطربت أوضاع خراسان سنة (782هـ = 1380م) بعث ابنه ميرانشاه، وكان في الرابعة عشرة من عمره، فنجح في السيطرة على إقليم خراسان كله، وبحستان وأفغانستان، ثم اتجه في سنة (787 هـ = 1385م) إلى مازندران، فاستسلمت دون قتال، ثم انطلقت جيوش تيمورلنك تفتح أذربيجان، وتستولي على إقليم فارس، وتُغِير على أصفهان التي كانت قد ثارت على نوابه، وبلغ عدد القتلى فيها سبعين ألفًا، أقام تيمورلنك من جماجمهم عدة مآذن.
وفي سنة (790 هـ = 1388م) هاجم "توقتمش" ملك بلاد القفجاق بلاد ما وراء النهر، وحرص أهالي أذربيجان على الثورة ضد تيمورلنك، وأعلنوا ولاءهم لتوقتمش، ونتيجة لتفاقم هذه الأحداث توقف تيمورلنك عن التوسع، واتجه إلى أذربيجان لقمع الثورة، وما كاد يصلها حتى فرَّ توقتمش، ودخل تيمورلنك خوارزم، وأحلَّ بها الخراب والتدمير إلى الحد الذي لم يعد فيها حائطٌ يُستراح تحت ظله، وظلت خرابًا خالية من السكان حتى أمر تيمورلنك بإعادة تعميرها سنة (793 هـ = 1391م).
ولَمَّا كرَّر توقتمش هجومه مرة أخرى على بلاد ما وراء النهر في سنة (791 هـ = 1389م) تعقَّبه تيمورلنك حتى أرض المغول وصحراء القفجاق وهزمه هزيمة منكرة.

فتح موسكو
ولَمَّا رجع تيمورلنك ظافرًا من صحراء القفجاق سنة (794 هـ = 1392م)، وقد تخلص من توقتمش، أناب ابنه "ميرنشاه" في حكم خراسان، وحفيده "بير محمد" في حكم غزنة وكابل، وقصد إيران في (رمضان 794 هـ = أغسطس 1392م) لإخماد الثورات التي شبَّت بها، وظل هناك خمس سنوات مشغولاً بقمع تلك الثورات. وتُسمَّى حروبه هذه بـ"هجوم السنين الخمس"، وبدأ حروبه بإخضاع "جرجان" و"مازندان"، ثم اتجه إلى العراق فاستولى على "واسط" و"البصرة" وغيرهما، ثم واصل سيره ففتح بلاد أرمينية والكرج، ولمَّا سمع بهجوم توقتمش على بلاده، توجه إليه على جناح السرعة، وهاجم بلاده وأنزل به هزيمة كبيرة، وبعد ذلك زحف في نحو مائة ألف جندي واحتل موسكو لمدة عام واحد.

فتح الهند
كان تيمورلنك قد بلغ الستين عامًا، لكن هذا لم يوهن من عزيمته في مواصلة الغزو والفتح، ولم يركن إلى الراحة والخلود إلى ما حققه من قوة ونفوذ، والتمتع بمباهج الجاه والسلطة، فعزم على غزو الهند متذرِّعًا بأن التغلقيين يتساهلون مع الهندوس في أمر الإسلام، وانقضَّ بجيشه الجرار على قوات محمود تغلق في (7 من ربيع الآخر 801 هـ = 17 من ديسمبر 1397م)، وأنزل به هزيمة ساحقة، واحتل "دلهي" عاصمة دولة "آل تغلق"، وقام بتدميرها وتخريبها، وبلغ من بشاعة التدمير أنها لم تنهض مما حلَّ بها إلا بعد قرن ونصف القرن من الزمان، وعاد تيمورلنك إلى سمرقند محمَّلاً بغنائم وفيرة، ومعه سبعون فيلاً تحمل الأحجار والرخام التي أحضرها من دلهي، ليبني بها مسجدًا في سمرقند.

حملة السنوات السبع
لم يمكث تيمورلنك طويلاً في سمرقند بعد عودته الظافرة من الهند، واستعد للخروج ومواصلة الغزو والفتح، وانطلق في حملة كبيرة سُميت بحملة السنوات السبع (802- 807 هـ = 1399- 1405م) لمعاقبة سلطان المماليك "فرج برقوق" لمساعدته أحمد الجلائري خان بغداد في حربه ضد تيمورلنك، وتأديب السلطان العثماني "بايزيد الأول" سلطان الدولة العثمانية الذي كان يحكم شرق آسيا الصغرى.

وبدأ تيمورلنك غزواته باكتساح بلاد الكرج (القوقاز) ونهبها سنة (802هـ = 1399م)، ثم سار إلى "عينتاب" ففتحها، واتجه إلى حلب حيث دار قتال دام أربعة أيام سقطت بعدها، وبلغ عدد القتلى فيها عشرين ألفاً والأسرى أكثر من ثلاثمائة ألف.
وبعد عمليات النهب والحرق والسبي والتخريب التي قام بها تيمورلنك وجيشه اتجه إلى حماة والسلمية، ولم يكن حظهما بأحسن حال من حلب، وواصل زحفه إلى دمشق التي بذل أهلها جهودًا مستميتة في الدفاع عن مدينتهم، لكن ذلك لم يكن كافيًا لمواجهة جيش جرار يقوده قائد محنك، فاضطروا إلى تسليم دمشق. ولمَّا دخل تيمورلنك المدينة أشعل فيها النار ثلاثة أيام حتى أتت على ما فيها، وأصبحت أطلالاً، وبعد أن أقام بها ثمانين يومًا رحل عنها مصطحبًا أفضل علمائها وأمهر صُناعها، واتجه إلى طرابلس وبعلبك ففتحهما، وعند مروره على حلب أحرقها مرة ثانية وهدم أبراجها وقلعتها، وبذلك وجّه ضربات قاصمة لدولة المماليك في الشام التي لم تفلح في مقاومة هذا الغازي الجبار وجيشه الجرار.
وفي العام التالي (803 هـ = 1400م) اتجه تيمورلنك إلى بغداد، وكانت تحت حكم الدولة الجلائرية؛ فهاجمها هجومًا شديدًا، ودمر أسوارها، وأحرق بيوتها، وأوقع القتل بعشرات الآلاف من أهلها، ولم تستطع المدينة المنكوبة المقاومة فسقطت تحت وطأة الهجوم الكاسح في أيدي تيمورلنك.

أسر السلطان العثماني
ولم تُشبِع هذه الانتصارات طموح تيمورلنك الجامح وإسرافه في الغزو وشغفه بفتح البلاد والمدن، فانطلق في سنة (804 هـ = 1402م) نحو آسيا الصغرى فاقتحم "سيواس" والأناضول، واصطدم بالدولة العثمانية الفتيَّة.
وتذكُر المصادر التاريخية أسبابًا متعددة لهذا الصدام، منها: توجُّس تيمورلنك من ازدياد قوة العثمانيين عند الحدود الغربية لدولته، ولجوء أحمد الجلائري إلى الدولة العثمانية بعد اجتياح تيمورلنك لبغداد، وفرار أمراء التركمان -الذين استولى بايزيد على إماراتهم- إلى تيمورلنك، وإغراؤهم له بمحاربة بايزيد.
ولما اشتدت الأزمة والخلاف بين القائدين الكبيرين احتكما إلى السلاح، واستعد بايزيد لملاقاة الغازي الجامح الذي تقدم بجيش جرار قوامه 300 ألف جندي، وبعد أن استولى على سياس التقى بالجيش العثماني بقيادة بايزيد الأول في معركة هائلة عُرفت باسم "معركة أنقرة" في (19 من ذي الحجة 804 هـ = 20 من يوليو 1402م)، وانهزم بايزيد هزيمة ساحقة، ووقع في الأسر هو وأحد أبنائه، ولم يتحمل السلطان العثماني ذل الأسر فمات كمدًا في (15 من شعبان 805 هـ = 10 من مارس 1403م)، في مدينة "أمد شهر"، حيث كان تيمورلنك عائدًا بأسراه إلى عاصمته سمرقند.

الاستعداد لغزو الصين

ولم يكد يستقر في سمرقند حتى أعد العدة لغزو الصين في خريف (807 هـ = 1404م)، وكان الجو شديد البرودة حين خرج لغزوته الأخيرة، وعانى جيشه قسوة البرد والثلج، ولم تتحمل صحته هذا الجو القارس، فأصيب بالحمى التي أودت بحياته في (17 من شعبان 807 هـ = 18 من فبراير 1405م)، بعد أن دانت له البلاد من "دلهي" إلى دمشق، ومن بحيرة آرال إلى الخليج العربي، وبعد وفاته نقل جثمانه إلى سمرقند حيث دفن هناك في ضريحه المعروف بكور أمير، أي مقبرة الأمير.

تيمورلنك في التاريخ
صورت المصادر العربية والفارسية شخصيته على نحو مخيف فهو بالغ القسوة، جامد القلب، يميل إلى سفك الدماء وإقامة المذابح، وهو بالفعل كذلك، لكنها أخفت جانبا آخر مشرقا، فقد كان رجلا واسع المعرفة، يتحدث بلغات متعددة، يحب الأطباء والفلكيين والفقهاء، جمع الصناع المهرة من كل أنحاء الدنيا في عاصمته "سمرقند"، وقد شيد حضارة عظيمة في بلاده، وأقام المنشآت الشامخة في بلاده، وتُعدُّ المقبرة التي بناها لنفسه آية من آيات البناء ومثالاً لسمات العمارة في العصر التيموري.
وبالإضافة إلى شغفه بالعلوم والفنون شارك بالتأليف والكتابة، فوضع مجموعة من القوانين التي أطلق عليها اسم "تزوكيات"، وكتب سيرته الذاتية باللغة الجغتائية التي ازدهرت آدابها في عصره وعصر حلفائه.
ويعد تيمورلنك عند الشعوب التركستانية وعند الأو**ك بطلاً قوميًّا، ورمزًا للشجاعة والعدل ومراعاة المبادئ الإسلامية






تابع

التوقيع :

لمشاهدة الوصلات والصور في التوقيع أن يجب أن تكون لديك 10 مشاركات أو أكثر. أنت الآن تملك 0 مشاركة.


لمشاهدة الوصلات والصور في التوقيع أن يجب أن تكون لديك 10 مشاركات أو أكثر. أنت الآن تملك 0 مشاركة.

  رد مع اقتباس
قديم 11-11-2009, 12:30 PM   #3 (permalink)
مديره الموقع
 
الصورة الرمزية جنه حزينه من القلب
افتراضي

محمد علي جناح


يعتبر مؤسس جمهورية باكستان محمد علي جناح أبرز شخصيات شبه القارة الهندية في النصف الأول من القرن العشرين، وقد شهدت القضية الكشميرية في عهده ولادتها تاريخيا مع بداية التقسيم عام 1947 وما صاحب ذلك من أزمة سياسية بين البلدين أدت إلى اندلاع أولى الحروب بينهما في العام نفسه.
المولد والنشأة
ولد محمد علي جناح يوم 25 ديسمبر/ كانون الأول 1876 في مدينة كراتشي لعائلة مشهورة تعمل في التجارة، وتلقى تعليمه الأولي في مدرسة الإسلام ثم في مدرسة البعثة المسيحية. وفي عام 1893 التحق بكلية "لينكولن إن" لدراسة القانون ليصبح أصغر هندي يتخرج في هذه الكلية.

عمله بالمحاماة
فور تخرجه عمل محمد علي جناح بمهنة المحاماة وبعد ثلاث سنوات أصبح واحدا من أكثر محامي كراتشي شهرة، وعرف عنه ذكاؤه وجرأته وجديته.
بداية حياته السياسية
وفي عام 1905 بدأت رسميا أولى خطوات محمد علي جناح في عالم السياسة حيث التحق بح** المؤتمر الوطني الهندي، وفي العام نفسه سافر إلى لندن ليروج للمسألة الهندية مطالبا باستقلالها من الاستعمار البريطاني، وذلك أثناء الانتخابات البرلمانية التي كانت تشهدها بريطانيا آنذاك.

سكرتير لرئيس ح** المؤتمر
بعد عام من عودته عمل سكرتيرا لرئيس ح** المؤتمر الوطني الهندي دادابهاي نواروجي، وألقى أول خطاب سياسي له في مدينة كلكتا عام 1906 دعا فيه إلى استقلال الهند.

عضو في المجلس التشريعي
وفي عام 1910 انتخب محمد علي جناح عضوا في المجلس التشريعي الجديد، وكان صوته هو الأبرز داخل المجلس مطالبا بالاستقلال وداعيا إلى الوحدة بين الطوائف المختلفة، وظل عضوا فاعلا بهذا المجلس طيلة أربعة عقود.
رئيس للعصبة الإسلامية
قرر محمد علي جناح أن يقطع علاقته بح** المؤتمر الوطني الهندي عام 1920 ليترأس العصبة الإسلامية. وفي عام 1929 أصدر بيانا مهما تضمن 14 بندا طالب فيها بتخصيص ثلث مقاعد المجلس التشريعي المركزي للمسلمين، ووضع تشريع دستوري يتضمن حماية دينهم ولغتهم وثقافتهم.

هجرته إلى بريطانيا
أعلن فريق من زعماء الأقلية المسلمة في الهند استياءهم من بعض توجهات محمد علي جناح السياسية فآثر الهجرة إلى بريطانيا، وهناك استمر به المقام لأربع سنوات ثم قرر العودة مرة أخرى في عام 1934.

دعوته للتقسيم
طالب في اجتماع العصبة الإسلامية الذي عقد عام 1937 بالاستقلال التام للمسلمين ضمن اتحاد فدرالي هندي إسلامي، ثم صعد مطالبه في اجتماع للعصبة بلاهور عام 1940 ودعا إلى تقسيم شبه القارة الهندية إلى كيانين هما الهند وباكستان على أن تضم الأخيرة كل مسلمي الهند، وأرسل عام 1944 رسالة إلى المهاتما غاندي يوضح له فيها رؤيته لهذه القضية جاء فيها "نحن نصر ونتمسك بأن يكون المسلمون والهندوس أمتين كبيرتين، وذلك طبقا لأي تعريف أو معيار للأمة. نحن أمة لمائة مليون مسلم، وعلاوة على هذا نحن أمة ذات أمور متميزة في الثقافة والحضارة واللغة والأدب والفن والهندسة المعمارية والأسماء والمصطلحات الخاصة والشعور بالقيم والعدل والتاريخ والملكات والطموح، وباختصار لنا وجهة نظرنا المتميزة عن الحياة ومن الحياة. ووفقا لجميع مبادئ القانون الدولي نحن أمة".
وقد لقيت هذه الدعوة قبولا لدى مسلمي الهند عام 1946 ووافقت عليها بريطانيا. وفي 14 أغسطس/ آب 1947 أعلن محمد علي جناح قيام جمهورية باكستان الإسلامية وأصبح أول رئيس لهذه الجمهورية الوليدة.

حربه مع الهند
ارتبط اسم محمد علي جناح بكشمير منذ بداية الحديث دوليا عن هذه القضية قبل أكثر من خمسين عاما. ففي السنة الأولى لحكمه (1947) اندلعت أول حرب بين الهند وباكستان في محاولة من كلا البلدين لبسط سيطرته على كشمير. وقد بدأت الحرب حينما أعلن حاكم كشمير الهندوسي الانضمام إلى الهند لقمع ثورة الأغلبية المسلمة الراغبة في الانضمام إلى باكستان، فتدخل العديد من قبائل قندهار الأفغانية بإيعاز من محمد علي جناح لنصرة المسلمين الكشميريين والوقوف معهم في مطالبهم.

آراء خصومه ومؤيديه
يأخذ بعض النقاد والخصوم السياسيين على محمد علي جناح ما يعتبرونه تسرعا في السعي باتجاه الانفصال عن الهند وتقسيم هذه المساحة الواسعة من أراضي القارة الآسيوية على أسس دينية وثقافية، وهو ما أدى بحسب رأيهم إلى اندلاع النزاعات الحدودية بين هاتين الدولتين ودخولهما في سباق تسلح لا ينتهي، الأمر الذي عاد بعواقب وخيمة على اقتصاديات البلدين، في حين كان بإمكانهما الاستفادة من الإمكانات الاقتصادية الهائلة لأرضيهما إذا أمكن لهما الاتفاق على صيغة للتعايش معا.
أما البعض الآخر فيرى أن ما قام به محمد علي جناح ونجح في تنفيذه من تقسيم شبه القارة الهندية، أراح الأقلية المسلمة التي كانت تعيش في الهند قبل نزوحها إلى باكستان من تعصب الهندوس ضدهم.
وفاته
توفي محمد علي جناح في سبتمبر/ أيلول 1948 عن عمر يناهز 72 عاما، وخلفه رئيس الوزراء لياقت خان الذي بدأ عهده بتنفيذ قرار الأمم المتحدة الصادر في الأول من يناير/ كانون الثاني 1949 والخاص بوقف إطلاق النار في كشمير




تابع

التوقيع :

لمشاهدة الوصلات والصور في التوقيع أن يجب أن تكون لديك 10 مشاركات أو أكثر. أنت الآن تملك 0 مشاركة.


لمشاهدة الوصلات والصور في التوقيع أن يجب أن تكون لديك 10 مشاركات أو أكثر. أنت الآن تملك 0 مشاركة.

  رد مع اقتباس
قديم 11-11-2009, 12:33 PM   #4 (permalink)
مديره الموقع
 
الصورة الرمزية جنه حزينه من القلب
افتراضي

جمال عبد الناصر


لم تحظَ شخصية وطنية أو قيادة شعبية في تاريخ مصر الحديثة بقدر من الجدل والاهتمام مثلما حظيت شخصية جمال عبد الناصر.
فالبرغم مما أُشيع حول ديكتاتورية عبد الناصر وبطشه بمعارضيه، فإنه ظل يحظى بجماهيرية غير مسبوقة وشعبية جارفة حتى بين الجيل الذي لم يعاصره، ونُسبت إليه بطولات وأمجاد، ونُسجت حوله روايات تصل إلى حد الأساطير؛ حتى صار وكأنه أحد أبطال التراث الشعبي، لا في وجدان المصريين فحسب؛ وإنما في وعي ووجدان الأمة العربية على امتداد أقطارها من الخليج إلى المحيط.
وبالرغم من مُضي نحو نصف قرن على قيام الثورة، وأكثر من ثلاثين عاما على رحيله، فإنه يظل دائما الغائب الحاضر بكل إيجابياته وسلبياته.

ميلاد "ناصر" ونشأته
وُلد "جمال عبد الناصر" بالإسكندرية قبيل أحداث ثورة 1335هـ = 1919م، التي هزّت مصر، وحركت وجدان المصريين، وألهبت مشاعر الثورة والوطنية في قلوبهم، وبعثت روح المقاومة ضد المستعمرين.
وكان أبوه "عبد الناصر حسين خليل سلطان" قد انتقل من قريته "بني مر" بمحافظة أسيوط؛ ليعمل وكيلا لمكتب بريد باكوس بالإسكندرية، وقد تزوج من السيدة "فهيمة" ابنة "محمد حماد" تاجر الفحم المعروف في الإسكندرية.
وفي منزل والده- رقم 12 شاعر الدكتور قنواتي- بحي باكوس وُلد في (2 من ربيع الآخر 1336هـ = 16 من يناير 1918م).
وكان والده دائم الترحال والانتقال من بلدة إلى أخرى؛ نظرًا لطبيعة وظيفته التي كانت تجعله لا يستقر كثيرا في مكان.

"جمال" في بيت عمه
ولم يكد يبلغ الثامنة من عمره حتى تُوفيت أمه في (18 من رمضان 1344هـ = 2 من إبريل 1926م) وهي تضع مولودها الرابع "شوقي"، وكان عمه "خليل"، الذي يعمل موظفا بالأوقاف في القاهرة متزوجًا منذ فترة، ولكنه لم يُرزق بأبناء، فوجد في أبناء أخيه أبوته المفتقدة وحنينه الدائم إلى الأبناء؛ فأخذهم معه إلى القاهرة؛ ليقيموا معه حيث يوفر لهم الرعاية والاستقرار بعد وفاة أمهم.
وبعد أكثر من سبع سنوات على وفاة السيدة "فهيمة" تزوج عبد الناصر من السيدة "عنايات مصطفى" في مدينة السويس سنة (1352 هـ =1933م)، ثم ما لبث أن تم نقله إلى القاهرة ليصبح مأمورا للبريد في حي "الخرنفش" بين الأ**كية والعباسية؛ حيث استأجر بيتا يملكه أحد اليهود المصريين، فانتقل "جمال" وإخوته للعيش مع أبيهم، بعد أن تم نقل عمه "خليل" إلى إحدى القرى بالمحلة الكبرى، وكان في ذلك الوقت طالبًا في الصف الأول الثانوي.

جمال في حياته العسكرية
وعندما حصل جمال على شهادة البكالوريا من مدرسة النهضة المصرية بالقاهرة في عام (1356هـ = 1937م)، كان يتوق إلى دراسة الحقوق، ولكنه ما لبث أن قرر دخول الكلية الحربية، بعد أن قضى بضعة أشهر في دراسة الحقوق.
دخل الكلية الحربية، ولم يكن طلاب الكلية يتجاوزن 90 طالبا، وعُرف بين زملائه وأساتذته باستقامته واعتزازه بنفسه وميله إلى حياة الجد.
وبعد تخرجه في الكلية الحربية عام (1357هـ = 1938م) التحق بالكتيبة الثالثة بنادق، وتم نقله إلى "منقباد" بأسيوط؛ حيث التقى بأنور السادات وزكريا محيي الدين.
وفي سنة (1358 هـ = 1939م) تم نقله إلى الإسكندرية، وهناك تعرف بعبد الحكيم عامر، الذي كان قد تخرج في الدفعة التالية له من الكلية الحربية، وفي عام (1361هـ = 1942م) تم نقله إلى معسكر العلمين، وما لبث أن نُقل إلى السودان ومعه عامر.
وعندما عاد من السودان تم تعيينه مدرسا بالكلية الحربية، والتحق بكلية أركان الحرب؛ فالتقى خلال دراسته بزملائه الذين أسس معهم تنظيم "الضباط الأحرار".
الثوار والإخوان في حرب فلسطين
كانت الفترة ما بين (1364هـ = 1945م) و(1366هـ= 1947م) هي البداية الحقيقية لتكوين نواة تنظيم الضباط الأحرار؛ فقد كان معظم الضباط، الذين أصبحوا- فيما بعد- اللجنة التنفيذية للضباط الأحرار، يعملون في العديد من الوحدات القريبة من القاهرة، وكانت تربطهم علاقات قوية بزملائهم؛ فكسبوا من بينهم مؤيدين لهم.
وكانت حرب (1367هـ = 1948م) هي الشرارة التي فجّرت عزم هؤلاء الضباط على الثورة ضد الفساد، بعد النكبة التي مُنِيَ بها العالم العربي في فلسطين.
وفي تلك الأثناء كان كثير من هؤلاء الضباط منخرطين بالفعل في صفوف "الإخوان المسلمين"، الذين كان لهم دور بارز في حرب فلسطين، ومن هنا توطدت العلاقة بين "الإخوان المسلمين" وضباط الجيش، وبخاصة الضباط الأحرار.

نشأة تنظيم الضباط الأحرار
وفي صيف 1368هـ= 1949م نضجت فكرة إنشاء تنظيم ثوري سري في الجيش، وتشكلت لجنة تأسيسية ضمت في بدايتها خمسة أعضاء فقط، هم: جمال عبد الناصر، وكمال الدين حسين، وحسن إبراهيم، وخالد محيي الدين، وعبد المنعم عبد الرءوف، ثم زيدت بعد ذلك إلى عشرة، بعد أن انضم إليها كل من: أنور السادات، وعبد الحكيم عامر، وعبد اللطيف بغدادي، وزكريا محيي الدين، وجمال سالم. وظل خارج اللجنة كل من: ثروت عكاشة، وعلي صبري، ويوسف منصور صديق.

وفي ذلك الوقت تم تعيين جمال عبد الناصر مدرسا في كلية أركان الحرب، ومَنحُهُ رتبة البكباشي (مقدم)، بعد حصوله على دبلوم أركان الحرب عام (1370هـ = 1951م) في أعقاب عودته من حرب فلسطين، وكان قد حوصر هو ومجموعة من رفاقه في "الفالوجا" أكثر من أربعة أشهر، وبلغ عدد الغارات الجوية عليها أثناء الحصار 220 غارة.
عاد بعد أن رأى بعينه الموت يحصد أرواح جنوده وزملائه، الذين رفضوا الاستسلام لليهود، وقاوموا برغم الحصار العنيف والإمكانات المحدودة، وقاتلوا بفدائية نادرة وبطولة فريدة؛ حتى تم رفع الحصار في (جمادى الآخرة 1368هـ = مارس 1949م).

الوصول إلى السلطة
وفي (أول ليلة من ذي القعدة 1371هـ = 23 من يوليو 1952م)، قامت الثورة؛ فلم تلقَ مقاومة تُذكر، ولم يسقط في تلك الليلة سوى ضحيتين فقط، هما الجنديان اللذان قُتلا عند اقتحام مبنى القيادة العامة.
وكان الضباط الأحرار قد اختاروا "محمد نجيب" رئيسا لحركتهم، وذلك لِمَا يتمتع به من احترام وتقدير ضباط الجيش؛ لسمعته الطيبة وحسه الوطني، فضلا عن كونه يمثل رتبة عالية في الجيش، وهو ما يدعم الثورة ويكسبها تأييدا كبيرا؛ سواء من جانب الضباط، أو من جانب جماهير الشعب.
وكان عبد الناصر هو الرئيس الفعلي للجنة التأسيسية للضباط الأحرار؛ ومن ثم فقد نشأ صراع شديد على السلطة بينه وبين محمد نجيب، ما لبث أن أنهاه عبد الناصر لصالحه في (17 من ربيع الأول 1374هـ = 14 من نوفمبر 1954م)، بعد أن اعتقل محمد نجيب، وحدد إقامته في منزله على نحو مهين، وانفرد وحده بالسلطة.

عبد الناصر والإخوان.. تصفية المعارضين
واستطاع أن يعقد اتفاقية مع بريطانيا لجلاء قواتها عن مصر في (21 من صفر 1374هـ = 19 من أكتوبر 1954م).
وما لبث أن اصطدم بجماعة "الإخوان المسلمين" (حلفاء الأمس)، الذين ساهموا بقدر كبير في إنجاح الثورة وتوطيد دعائمها، لما كانوا يتمتعون به من قاعدة شعبية كبيرة وتأثير جماهيري قوي.
واعتقل عبد الناصر الآلاف من أعضاء تلك الجماعة؛ فلاقوا صنوف التنكيل والتعذيب، وعقدت لهم محاكمات صورية، انتهت بإعدام عدد من رموز التيار الإسلامي، مثل: عبد القادر عودة، ومحمد فرغلي، وسيد قطب…
وبدأت حملة تصفية أخرى للمعارضين شملت الشيوعيين، وامتدت إلى النقابات المختلفة؛ فقد تم حلّ مجلس نقابة المحامين في (أول جمادى الأولى 1374هـ = 26 من ديسمبر 1954م)، ثم تلتها نقابة الصحفيين في عام (1375هـ = 1955م).

مساندة حركات التحرر في الوطن العربي
واتجه عبد الناصر، بعد أن استقرت له الأمور، إلى تحقيق المزيد من المكاسب السياسية على الصعيدين العربي والعالمي؛ فساهم بدور كبير في مساندة وتأييد حركات التحرر الوطني، ودعا إلى وحدة الصف العربي في مواجهة التحالفات والتكتلات الغربية، وكان مؤتمر "باندونج" سنة (1375هـ= 1955م) نقطة انطلاقه إلى العالم الخارجي وانتهاجه سياسة عدم الانحياز، ورفع شعار الحياد الإيجابي، ورفض التبعية السياسية للدول الكبرى، كما دعا إلى مقاومة التحالفات التي تهدف إلى السيطرة على البلاد العربية.
وكان لعبد الناصر دور بارز في مساندة ثورة الجزائر وتبني قضية تحرير الشعب الجزائري في المحافل الدولية، وسعى كذلك إلى تحقيق الوحدة العربية؛ فكانت تجربة الوحدة بين مصر وسوريا في (شعبان 1377هـ = فبراير 1958م) تحت اسم "الجمهورية العربية المتحدة"، وقد تولى هو رئاستها بعد أن تنازل الرئيس السوري "شكرى القوتلي" له عن الحكم، إلا أنها لم تستمر أكثر من ثلاث سنوات.
كما ساند عبد الناصر الانقلاب الذي قام به "عبد الله السلاك" في اليمن سنة (1382هـ = 1962م)، وأرسل نحو 70 ألف جندي إلى اليمن، وهو ما أدى إلى توتر العلاقات المصرية السعودية، وكان له أثره السيئ في استنزاف موارد مصر وإضعاف قوتها العسكرية، وكانت أبرز عواقبه الوخيمة تلك الهزيمة العسكرية الفادحة التي مُنِيَت بها القوات المسلحة في حرب (1387هـ = 1967م).
الاتجاه نحو التصنيع
شهدت مصر في الفترة من مطلع الستينيات إلى ما قبل النكسة نهضة اقتصادية وصناعية كبيرة، بعد أن بدأت الدولة اتجاها جديدا نحو السيطرة على مصادر الإنتاج ووسائله، من خلال التوسع في تأميم البنوك والشركات والمصانع الكبرى، وإنشاء عدد من المشروعات الصناعية الضخمة، وقد اهتم عبد الناصر بإنشاء المدارس والمستشفيات، وتوفير فرص العمل لأبناء الشعب، وتوَّج ذلك كله ببناء السد العالي الذي يُعد أهم وأعظم إنجازاته على الإطلاق؛ حيث حمى مصر من أخطار الفيضانات، كما أدى إلى زيادة الرقعة الزراعية بنحو مليون فدان، بالإضافة إلى ما تميز به باعتباره المصدر الأول لتوليد الكهرباء في مصر، وهو ما يوفر الطاقة اللازمة للمصانع والمشروعات الصناعية الكبرى.
الحرية والحياة السياسية في عهد عبد الناصر
وبالرغم من حالة الاستقرار التي مرت بها البلاد، وتعاظم النفوذ السياسي والدور القيادي والشعبي لعبد الناصر، فإنه توسّع في البطش بمعارضيه، وتمادى في التنكيل بهم، وبالغ من قمعه وعدائه لصفوة المجتمع من المفكرين والسياسيين حتى الأدباء والمبدعين، الذين وجد في أفكارهم خروجا عن المنظومة التي اختارها ليسير عليها الجميع والنهج الذي رسمه ليلتزمه الكافة؛ فلم يكن يؤمن بالتعددية، أو الرأي الآخر، ولم يكن ليسمح أن يرتفع صوت آخر سواه.
اختزل كل الرموز والمسميات في ذاته وشخصه، وطغت ديكتاتوريته على الجميع؛ فأصبحت مصر هي عبد الناصر، كما صار عبد الناصر هو الثورة وهو رمز الحرية والنضال.
تعاظم دوره بقدر ما تقلصت مساحة الحرية المتاحة، ولم تعد الثورة وليدة تحتاج الحماية والرعاية حتى لا ينقض عليها المتآمرون والمتربصون، ولم يعد كبت الحريات من أجل المحافظة على الثورة ومكاسبها الاشتراكية، وإنما صار ذلك سمت العصر وسمة الحكم.
وبالرغم من اتساع قاعدة الانتخاب والتشدق بمقولات الاشتراكية وحكم الشعب والممارسات السياسية، فإن المجالس النيابية شهدت قصورا شديدا وواضحا في أدائها؛ فقد سيطر الح** السياسي الحاكم وهو "الاتحاد الاشتراكي" على مقاليد الأمور، وأصبح الانتماء إليه هو المَعْبَر الوحيد لدخول البرلمان، كما فقد القضاء استقلاله في تلك الفترة، بعد تشكيل عدد من المحاكم الخاصة للنظر في قضايا معينة؛ فتم تشكيل محكمة الثورة، ومحكمة الغدر، ومحكمة الشعب وغيرها، وقد خضعت السلطة التشريعية للسلطة التنفيذية تماما.
وحاول عبد الناصر إدخال القضاء في التنظيم السياسي، وإعادة صياغة الهيكلة القضائية من خلال إدخال عناصر من غير أعضائه، وعندما تصدى له رجال القضاء؛ رافضين ذلك الاتجاه، قام بمذبحة القضاء الشهيرة؛ فحل رجالها، وفي الوقت نفسه أنشأ المحكمة الدستورية العليا لمراقبة دستورية القوانين، وإلغاء ما يصدر غير متفق مع مبادئ الدستور.
عبد الناصر في حياته الخاصة
كان بشهادة معارضيه متصفًا بالنزاهة وعلو الهمة والبعد عن المحاباة أو استغلال النفوذ، وكان حريصًا على ألا يميز أحدا من أفراد أسرته عن بقية أبناء الشعب.
كما كان متمسكا بالقيم والمبادئ، محافظا على التقاليد؛ فحينما زار اليونان سنة (13809هـ 1960م) رفض أن يضع يديه في يد ملكة اليونان؛ حتى لا تضطر زوجته إلى أن تلتزم هي الأخرى بالبروتوكول، وتفعل مثل ذلك مع ملك اليونان.
ولم تظهر زوجته السيدة "تحية كاظم" في الحياة العامة إلا في وقت متأخر؛ فحتى عام (1379هـ = 1959م) لم تظهر إلا في حفلين رسميين.
وكان يفزع من حياة القصور، ويبرر ذلك دائما بقوله: "في القصر سوف يعيش كل منا في جناحه الخاص، وبالتالي سوف نصبح أسرة مفككة، أما هنا في منزلنا فإننا جميعا نعيش معا ونأكل معا ويطمئن كل منا على الآخر".
ويظل يعمل في مكتبه حتى الساعات الأولى من الفجر، بينما تجلس السيدة قرينته في ركن حجرة مكتبه تشغل نفسها بالتطريز أو شغل الإبرة؛ حتى لا تفارقه وهي معه في البيت نفسه.
من الهزيمة إلى التنحي
كانت هزيمة (1387هـ = 1967م) بمثابة الزلزال الذي هز مصر كلها، فقد كانت تلك الهزيمة أكبر هزيمة عسكرية تلحق بمصر في تاريخها الحديث.
ولم تكن تلك الحرب هي أولى حلقات الصراع المصري الإسرائيلي؛ فقد سبقتها عدة جولات، كانت أولها حرب فلسطين التي حسم الغدر والعمالة والخيانة نتائجها لصالح العدو الصهيوني الطامع في أرض فلسطين العربية المسلمة، ثم كان حادث غزة في (5 من رجب 1374 هـ = 28 من فبراير 1955م) حينما قتلت إسرائيل 42 جنديا مصريا، ثم أسفرت إسرائيل عن وجهها القبيح وعداوتها السافرة في العدوان الثلاثي على مصر سنة (1386هـ = 1956م). وفي حرب (1387هـ = 1967م) فقدت مصر 10 آلاف مقاتل و1500 ضابط، ونحو 80% من قواتها العسكرية، وتم تدمير سلاح الطيران المصري واحتلال سيناء.
ودفعت تلك الهزيمة القاسية عبد الناصر إلى إعلان تنحّيهِ عن الحكم، واستعداده لتحمل التبعات؛ لأنه يعتبر نفسه المسؤول الأول عما حل بالبلاد؛ فخرجت الجماهير تطالبه بالبقاء وتدعوه إلى التراجع عن قراره بالتنحي.
وسرعان ما عدل عن فكرة تنحيه، واتخذ خطوات سريعة نحو تصفية مراكز القوى وإعادة بناء الجيش الذي دمرته الهزيمة، وبدأ مرحلة جدية من حرب الاستنزاف ضد إسرائيل، كان يسعى من ورائها إلى توجيه ضربات موجعة لإسرائيل؛ بهدف استنزاف قوتها، ومحاولة إعادة بناء الثقة في نفوس المصريين، واستمرت تلك الحرب حتى (جمادى الآخرة 1390هـ = أغسطس 1970م) بعد مبادرة "روجرز".
شقاق الأشقاء
وما لبثت الأمة العربية أن عصفت بها رياح الحرب من جديد، ولكنها هذه المرة كانت حربًا بين الأشقاء؛ فقد اندلعت الحرب بين الأردن والفلسطينيين في (صفر 1390هـ = إبريل 1970م).
وبذل عبد الناصر جهودا كبيرة لاحتواء الموقف، وتدارك تلك الكارثة؛ فدعا إلى عقد مؤتمر قمة عربي؛ لوقف نزيف الدم بين الأشقاء، ووضْع حد للحرب والصراع، وتنقية الأجواء بين العرب.

وفي اليوم الذي انتهى فيه المؤتمر تُوفّي عبد الناصر فجأة، بعد أن ودّع آخر ضيوف مصر المشاركين في هذا المؤتمر في (27 من رجب 1390هـ = 28 من سبتمبر 1970م).




تابع

التوقيع :

لمشاهدة الوصلات والصور في التوقيع أن يجب أن تكون لديك 10 مشاركات أو أكثر. أنت الآن تملك 0 مشاركة.


لمشاهدة الوصلات والصور في التوقيع أن يجب أن تكون لديك 10 مشاركات أو أكثر. أنت الآن تملك 0 مشاركة.

  رد مع اقتباس
قديم 11-11-2009, 12:35 PM   #5 (permalink)
مديره الموقع
 
الصورة الرمزية جنه حزينه من القلب
افتراضي

جمال الدين الأفغاني

ترجع نهضة الأمم والدول إلى جهود المصلحين المخلصين من أبنائها الذين يسعون دائمًا إلى توحيد أبناء الأمة، وإيقاظ وعيهم بقضايا ومشكلات أمتهم، وتحريك همتهم نحو الإصلاح والتجديد، والوقوف صفًا واحدًا في وجه أطماع المستعمرين والطامعين.
وفي أواسط القرن التاسع عشر قام رجال مصلحون من أبناء الشرق الإسلامي، دقّوا ناقوس الخطر لأمتهم، وحذّروا ملوكهم وحكامهم من الخطر الوشيك الذي يتربص بالأمة الإسلامية، وتعالت أصواتهم بالدعوة إلى التعجيل بالإصلاح قبل وقوع الخطر، وكان من هؤلاء الرواد: مصطفى رشيد باشا في تركيا، وميلكم خان في إيران، وأمير علي في الهند، وخير الدين باشا في تونس، وكان جمال الدين الأفغاني أحد هؤلاء الرواد المصلحين الذين وقفوا حياتهم كلها على الدعوة إلى توحيد العالم الإسلامي، وتحرير شعوبه من الاستعمار والاستغلال.
ولكن كانت دعوة كل واحد من هؤلاء وتأثيره محدودين بحدود بلاده، ولم يكن صوته الإصلاحي يتجاوز أبناء وطنه، أما جمال الدين الأفغاني فقد تجاوز صدى دعوته حدود الأوطان والقوميات، واتسع ليشمل العالم الإسلامي كله.

الميلاد والنشأة
ولد السيد جمال الدين الأفغاني في ( شعبان 1254هـ= أكتوبر 1838م)، لأسرة أفغانية عريقة ينتهي نسبها إلى الحسين بن علي (رضي الله عنه)، ونشأ في كابول عاصمة الأفغان. وتعلم في بداية تلقيه العلم اللغتين العربية والفارسية، ودرس القرآن وشيئًا من العلوم الإسلامية، وعندما بلغ الثامنة عشرة أتم دراسته للعلوم، ثم سافر إلى الهند لدراسة بعض العلوم العصرية، وقصد الحجاز وهو في التاسعة عشرة لأداء فريضة الحج سنة (1273هـ= 1857م)، ثم رجع إلى أفغانستان حيث تقلد إحدى الوظائف الحكومية، وظل طوال حياته حريصًا على العلم والتعلم، فقد شرع في تعلم الفرنسية وهو كبير، وبذل كثيرًا من الجهد والتصميم حتى خطا خطوات جيدة في تعلمها.
وحينما وقع خلاف بين الأمراء الأفغان انحاز جمال الدين إلى محمد أعظم خان الذي كان بمثابة وزير دولة، وحدث صدام بينه وبين الإنجليز، فرحل جمال الدين عن أفغانستان سنة (1285هـ= 1868م)، ومر بالهند في طريقه إلى مصر حيث أقام بها مدة قصيرة تردد في أثنائها على الأزهر، وكان بيته مزارًا لكثير من الطلاب والدارسين خاصة السوريين. ثم سافر إلى "الأستانة" في عهد الصدر عال باشا، فعظم أمره بها، وذاعت شهرته وارتفعت منزلته، ولقيت دعوته بضرورة التعجيل بالإصلاح صدى طيبًا لدى العثمانيين، حتى قال المستر بلنت الإنجليزي: "إن سعي العثمانيين في تحويل دولتهم إلى دستورية في بادئ الأمر قد ينسب إلى شيء من تأثير جمال الدين، فقد أقام في عاصمتهم يحاورهم ويخطب فيهم".

في مصر
وعُيِّن جمال الدين وهو في الأستانة عضوًا في مجلس المعارف الأعلى، وهناك لقي معارضة وهجومًا من بعض علماء الأستانة وخطباء المساجد الذين لم يرقهم كثير من آرائه وأقواله؛ فخرج من الأستانة إلى مصر، فلقي في مصر من الحفاوة والتكريم من أهلها ما حمله على البقاء بها، وكان لجرأته وصراحته أكبر الأثر في التفاف الناس حوله، فأصبح له مريدون كثيرون، فحسده الشيوخ لحظوته عند الناس.
وخاض الأفغاني غمار السياسة المصرية، ودعا المصريين إلى ضرورة تنظيم أمور الحكم، وقد أدى ذلك إلى تنكر ولاة الأمور له، ونفورهم منه، وتوجسهم به، خاصة أنه كان يعلن عن بغضه للإنجليز، ولا يخفي عداءه لهم في أية مناسبة.
مع محمد عبده في باريس
وكانت مقالاته مثار غضب شديد من الإنجليز ومن الحكام في مصر على حد سواء. فلما تولى الخديوي توفيق باشا حكم البلاد أخرجه من مصر، فانتقل الأفغاني إلى الهند سنة (1296هـ= 1879م)، بعد أن أقام في مصر نحو ثماني سنوات.
ثم غادر الهند إلى لندن، ومنها انتقل إلى باريس حيث اتصل بالشيخ محمد عبده، وأصدرا معًا جريدة "العروة الوثقى"، ولكنها ما لبثت أن توقفت عن الصدور بعد أن أوصدت أمامها أبواب كل من مصر والسودان والهند. ولكن الأفغاني لم يتوقف عن الكتابة في السياسة، فكانت صحف باريس منبرًا لمقالاته السياسية النقدية الساخنة.

في إيران
ودعاه شاه إيران "ناصر الدين" للحضور إلى طهران واحتفى به وقربه، وهناك نال الأفغاني تقدير الإيرانيين وحظي بحبهم، ومالوا إلى تعاليمه وأفكاره، ولكن الشاه أحس بخطر أفكار الأفغاني على العرش الإيراني، وتغيرت معاملته له، وشعر الأفغاني بذلك، فاستأذنه في السفر، وذهب إلى موسكو ثم بطرسبرج، وكان يلقى التقدير والاحترام في كل مكان ينزله، ويجذب الكثيرين من المؤيدين والمريدين.
وحينما زار الأفغاني معرض باريس سنة (1307هـ= 1889م) التقى هناك بالشاه ناصر الدين، وأظهر له الشاه من الود والتقدير ما دعاه إلى العودة مرة أخرى إلى طهران، ولكن ما لبث الشاه أن تغير عليه ثانية، خاصة بعدما راح يصرح برأيه في إصلاح الحكومة، ويجاهر بنقده للأوضاع السياسية في الدولة. ولم يطق الشاه صبرًا، ورأى في بقاء الأفغاني خطرًا محققًا على أركان عرشه، فأرسل إليه قوة عسكرية، فساقوه من فراش مرضه إلى حدود تركيا.
اتجه الأفغاني إلى البصرة، ومنها إلى لندن حيث اتخذ من جريدة "ضياء الخافقين" منبرًا للهجوم على الشاه، وكشف ما آلت إليه أحوال إيران في عهده، وكان تأثير الأفغاني قويًا على الإيرانيين، حتى بلغ من تأثيره أنه استطاع أن يحمل بعض علماء إيران على إصدار فتوى بتحريم "شرب" الدخان، فأصدر الميرزا "محمد حسن الشيرازي" فتوى حرّم فيها على الإيرانيين شرب الدخان، فامتنعوا عن شربه امتناعًا شديدًا، حتى إن العامة ثاروا على الشاه، وأحاطوا بقصره، وطلبوا منه إلغاء الاتفاق مع إحدى الشركات العربية لتأسيس شركة "ريجي" في إيران؛ فاضطر الشاه إلى فسخ الاتفاق، وتعويض الشركة بمبلغ نصف مليون ليرة إنجليزية.
دسائس الوشاة ومكائد الحاقدين
وكان ذلك أحد الأسباب التي جعلت الشاه يلجأ إلى السلطان عبد الحميد ليوقف الأفغاني عن الهجوم عليه، واستطاع السلطان أن يجذب الأفغاني إلى نزول الأستانة سنة (1310هـ=1892م)، وأراد السلطان أن يُنعم على الأفغاني برتبة قاضي عسكر، ولكن الأفغاني أبى، وقال لرسول السلطان: "قل لمولاي السلطان إن جمال الدين يرى أن رتبة العلم أعلى المراتب".
وفي أثناء وجود الأفغاني بالأستانة زارها الخديوي عباس حلمي، والتقى بالأفغاني لقاءً عابرًا، ولكن الوشاة والحاسدين من أعداء الأفغاني المقربين إلى السلطان وجدوا في ذلك اللقاء العابر فرصة سانحة للوقيعة بينه وبين السلطان، فبالغوا في وصف ذلك اللقاء، وأضفوا عليه ظلالاً من الريبة والغموض، وأوعزوا إلى السلطان أنهما تحادثا طويلاً في شئون الخلافة، وحذّروه من الخطر الذي يكمن وراء تلك المقابلة؛ فاستدعى السلطان العثماني جمال الدين الأفغاني وأطلعه على تلك الأقوال، فأوضح له الأفغاني حقيقة الموقف بجرأة، وانتقد هؤلاء الوشاة بشجاعة لم تعهد لغيره.

منهج الأفغاني في الإصلاح الديني
كانت الدعوة إلى القرآن الكريم والتبشير به من أكبر ما يطمح إليه "الأفغاني" في حياته، وكان يرى أن القاعدة الأساسية للإصلاح وتيسير الدين للدعوة هي الاعتماد على القرآن الكريم، ويقول: "القرآن من أكبر الوسائل في لفت نظر الإفرنج إلى حسن الإسلام، فهو يدعوهم بلسان حاله إليه. لكنهم يرون حالة المسلمين السوأى من خلال القرآن فيقعدون عن اتباعه والإيمان به". فالقرآن وحده سبب الهداية وأساس الإصلاح، والسبيل إلى نهضة الأمة: "ومن مزايا القرآن أن العرب قبل إنزال القرآن عليهم كانوا في حالة همجية لا توصف؛ فلم يمض عليهم قرن ونصف قرن حتى ملكوا عالم زمانهم، وفاقوا أمم الأرض سياسة وعلمًا وفلسفة وصناعة وتجارة".. فالإصلاح الديني لا يقوم إلا على القرآن وحده أولاً، ثم فهمه فهمًا صحيحًا حرًا، وذلك يكون بتهذيب علومنا الموصلة إليه، وتمهيد الطريق إليها، وتقريبها إلى أذهان متناوليها.
جمال الدين بين السنية والتشيع
يرى بعض الباحثين أن جمال الدين كان إيرانيًا من "أسد آباد" بالقرب من همدان، وأنه كان شيعيًا جعفري المذهب، وذلك بالرغم من اشتهار أمر جمال الدين بانتسابه إلى بلاد الأفغان وأنه سني المذهب، وبالرغم من حرصه على تلقيب نفسه بالأفغاني، وانخراطه في علماء أهل السنة في جميع البلدان الإسلامية التي زارها أو أقام فيها.

ويحاول هؤلاء إيجاد الأدلة، وتدبيج البراهين التي تعضد موقفهم، وتؤيد ما ذهبوا إليه، ومن ذلك:
- وجود عائلة جمال الدين في إيران، وعدم وجود أي أثر لها في أفغانستان.
- إن اسم والد جمال الدين "صفدر"، وهو اسم إيراني شيعي يعني: البطل ممزق الصفوف.
- اهتمام جمال الدين بإيران ومشكلاتها أكثر من اهتمامه بأي قطر إسلامي آخر.
- إجادة جمال الدين اللغة الفارسية باللهجة الإيرانية.
- تمجيد جمال الدين للإيرانيين وإشادته بذكائهم.
وهي في مجملها قرائن لا ترقى إلى الأدلة الجازمة، أو البراهين القاطعة تنقضها كتابات جمال الدين وسيرة حياته، التي توضح أنه كان أفغانيًا سنيًا لا إيرانيًا شيعيًا.
فهو في كتابه "تتمة البيان في تاريخ الأفغان" ينتقد الشيعة في انصرافهم عن بعض أركان الدين إلى ظواهر غريبة عنه وعادات محدثة، فيقول: "وجميع الأفغانيين متمذهبون بمذهب أبي حنيفة، لا يتساهلون رجالاً ونساءً وحضريين وبدويين في الصلاة والصوم، سوى طائفة (نوري)، فإنهم متوغلون في التشيع، يهتمون بأمر مأتم الحسين (رضي الله عنه) في العشر الأول من محرم، ويضربون ظهورهم وأكتافهم بالسلاسل مكشوفة".
وقد تصدى لهذا الزعم عدد من الباحثين والمفكرين، في مقدمتهم د. "محمد عمارة" الذي رأى أن الرجل لن يعيبه أن يكون إيرانيًا أو أفغانيًا، ولن ينقص من قدره أن يكون شيعيًا أو سنيًا؛ لأنه مسلم تشرف به كل أقاليم الإسلام وجميع مذاهبه.
وأن الذي جعل قضية الخلاف حول موطن جمال الدين وحول المذهب الديني الذي تمذهب به تأخذ بعدًا آخر، أخرجها من هذا الإطار المألوف، هو أن الذين ادعوا إيرانيته وشيعته قد أرادوا –من وراء هذه الدعوى- إثبات كذب الرجل، فقد قال عن نفسه بأنه أفغاني، ونطقت أفكاره وكتاباته بأنه سني، فالمقصد من وراء تلك الدعوة هو هدم الرجل (الرمز) الذي يعتز به الجميع.

الأفغاني والماسونية
انتظم جمال الدين في سلك الماسونية؛ لينفسح له المجال أمام الأعمال السياسية، وقد انتخب رئيسًا لمحفل "كوكب الشرق" سنة (1395هـ=1878م)، ولكنه حينما اكتشف جبن هذا المحفل عن التصدي للاستعمار والاستبداد، ومسايرته لمخطط الإنجليز في مصر استقال منه، وقد سجل الأفغاني تجربته تلك في كلمته التي أدان فيها ماسونية ذلك المحفل الذي يتستر تحت شعارات براقة وأهداف عريضة، لكنه في الحقيقة لا يخرج في ذلك كله عن حيز القول إلى الفعل، بل ربما كان أدنى إلى تحقيق أهداف المستعمر وترسيخ أطماعه بعيدا عن تأكيد مبادئ الحق والحرية والمساواة التي يرفعها مجرد شعار.

هل مات مسمومًا؟
وتوفي الأفغاني في الأستانة –بعد حياة شاقة مليئة بالمتاعب والصعاب- عن عمر بلغ نحو ستين عامًا، وكما حفلت حياته بالجدل والإثارة، فقد ثار الجدل أيضًا حول وفاته، وشكك البعض في أسبابها، وأشار آخرون إلى أنه اغتيل بالسم.
فبالرغم من أن الشيخ عبد الرشيد إبراهيم –الرحالة الروسي الشهير- يؤكد أنه كان مريضًا، وأنه توفي متأثرًا بمرضه، وكان قد زاره قبيل ساعتين من وفاته، فإن ابن أخته "ميرزا لطف الله خان" يزعم أنه مات مسمومًا، ويتهم الحكومة الإيرانية بقتله، ويذكر أن الحكومة الإيرانية أوفدت "ناصر الملك" لقتل "جمال الدين" بعدما رفضت الدولة العثمانية تسليمه لها.. وكانت وفاته في (5 من شوال 1314هـ= 10 من مارس 1897م).




تابع

التوقيع :

لمشاهدة الوصلات والصور في التوقيع أن يجب أن تكون لديك 10 مشاركات أو أكثر. أنت الآن تملك 0 مشاركة.


لمشاهدة الوصلات والصور في التوقيع أن يجب أن تكون لديك 10 مشاركات أو أكثر. أنت الآن تملك 0 مشاركة.

  رد مع اقتباس
قديم 11-11-2009, 12:38 PM   #6 (permalink)
مديره الموقع
 
الصورة الرمزية جنه حزينه من القلب
افتراضي

أبي الفرج الأصفهاني


لم ينل كتاب في الأدب العربي شهرة كتاب "الأغاني" لأبي الفرج الأصفهاني، وهو منذ أن ظهر من ألف عام قل من لم يسمع به، أو يقرأ طرفا منه، أو يعتمد عليه في شيء مما يتصل بالتاريخ والحضارة. أنفق فيه مؤلفه نصف قرن من الزمان، حتى خرج على الصورة التي هو عليها الآن، وهو كتاب -كما وصفه الفقيه ابن العربي-: جليل القدر، كثير العلم، لم يؤلف مثله قط. وقد يختلف الناس حول ما حواه من أخبار وروايات، لكنهم لا يختلفون حول قيمته باعتباره المصدر الأول لمن يكتبون عن الأدب العربي في عصوره المتقدمة.
النشأة والتعليم
ينتهي نسب أبي الفرج الأصفهاني إلى مروان بن محمد آخر خلفاء بني أمية. ولد سنة (284هـ = 897م) ولا يعرف على وجه اليقين موضع ولادته، فقالوا إنه أصفهاني المولد استنادا إلى لقبه الذي عُرف به واشتهر، وقالوا إنه بغدادي المنشأ والمسكن، ولعل أجداده كانوا يعيشون في أصفهان بعد سقوط دولتهم، ثم نزح أحفادهم إلى بغداد وأقاموا بها.
وكان جده محمد بن أحمد الأصفهاني من كبار رجالات سامراء وعلى صلة متينة بوزرائها وأدبائها وكتابها، وكان أبوه الحسين بن محمد يقطن بغداد، ويحرص على طلب العلم والثقافة الشائعة في عصره، وكذلك كان عمه الحسن بن محمد من كبار الكتاب في عصر المتوكل. وروى عنه أبو الفرج كثيرا في كتابه الأغاني، وهو الذي تولى تربيته وتثقيفه.
أما نسب أبي الفرج من ناحية أمه فهو ينتسب إلى آل ثوابة المعروفين في عصرهم بالكتابة والأدب والشعر. وذكر ابن النديم عددا منهم في كتابه الفهرست.
وفي هذا الجو المُعبَّق بعطر العلم وأريج الثقافة نشأ أبو الفرج الأصفهاني وتعلم، ثم تطلعت همته إلى مصادر أخرى للمعرفة، فولّى وجهه شطر الكوفة في فترة مبكرة من حياته، وأخذ الحديث والتاريخ واللغة عن شيوخها الكبار من أمثال: مطين بن أيوب، والحسين بن الطيب الشجاعي، ومحمد بن الحسين الكندي مؤدبه في الكوفة… وغيرهم، ثم رجع إلى بغداد وبدأ حياة علمية جادة، وأظهر جلدا وشغفا بالعلم، واتصل بأعداد هائلة من شيوخ بغداد وعلمائها الذين كانت تمتلئ بهم مساجدها، وحسبك أن يكون من شيوخه: يحيى بن علي المنجّم، المتوفى سنة (300هـ = 912م) وكان أديبا ناقدا عالما بالغناء والموسيقى، وأبو عبد الله اليزيدي المتوفى سنة (310هـ = 922م) وكان إماما في النحو والأدب، ومحمد بن جرير الطبري الإمام المؤرخ المفسر الفقيه المتوفى سنة (310هـ = 922م) وعنه روى أبو فرج الأصفهاني معظم أخبار العرب القديمة ومغازي الرسول –صلى الله عليه وسلم- وأشعارا لشعراء الدعوة الإسلامية.
ولازم أيضا عددا من كبار أئمة اللغة مثل: علي بن سليمان الأخفش، المتوفى سنة (315هـ = 927م) وأبي بكر الأنباري، المتوفى سنة (328هـ = 939م) وابن دريد العالم اللغوي الفذ، المتوفى سنة (321هـ = 933م) وأبي بكر الصولي، المتوفى سنة (335هـ = 946م) وصاحب كتابيْ: "الأوراق"، و"أدب الكاتب".
في موكب العلم والتدريس
وبعد هذا التحصيل العلمي الجاد والإصرار على الدرس جلس للتدريس في نحو سنة (313هـ = 925م)، وكان قد انتهى من كتابة أول مؤلفاته "مقاتل الطالبيين" فجلس لإملائه على تلاميذه الذين اتصلوا به ولازموه، بعد أن ذاعت شهرته، وقصد حلقاته عدد كبير من المحدثين والأدباء والشعراء. ومن تلاميذه المعروفين الإمام الدارقطني، وأبو زكريا يحيى بن مالك الأندلسي، وعلي بن دينار، ومحمد بن أحمد المغربي راوية المتنبي، وأبو علي الحسن بن علي بن محمد التنوخي.
واتصل أبو الفرج بالحسن بن محمد المهلبي وزير معز الدولة البويهي، وكانت له به صلة قبل أن يتولى الوزارة، فلازمه 13 سنة حتى توفي المهلبي في سنة (352هـ = 963م)، وكان الوزير يوالي أبا الفرج بصلاته، ويقربه إليه، ويجعله من ندمائه المقربين، وكان للوزير مجلس مشهور يؤمه كبار الشعراء والكتاب من أمثال أبي القاسم التنوخي، وأبي إسحاق الصابئ، وأبي العلاء صاعد خليفة، والشاعر الكبير أبي الطيب المتنبي. وكان أبو الفرج رأس هذا المجلس، ونديم صاحبه، كثير المدح له، وكان من ثمرات هذه العلاقة آثار كثيرة في مؤلفات أبي الفرج وأشعاره.
وتذكر المصادر التاريخية أن لأبي فرج صلات بملوك الأندلس من بني أمية، يؤلف لهم الكتب ويرسلها لهم فيصلونه بجوائز كبيرة. وأما صلته بسيف الدولة فليس في أخباره ما يوضح حقيقتها، ويلقي الضوء عليها سوى أنه أهداه كتاب الأغاني فأعطاه عليه ألف دينار.
شخصيته
رسمت كتب المعاصرين له صورة ذات ألوان قاتمة وظلال شاحبة فهو لا يعتني بمظهره، يبدو دائما متسخ الثياب، قذرا في شكله وفعله، بعيدا عن مظاهر السلوك الحميد والتصرف الأنيق الذي يتصف به دائما من ينادم الملوك والأمراء.
وأيا ما كان الرأي حول هذه الصفات ومدى مبالغتها في رسم هذه الصورة السيئة، فإن هناك إجماعا من المؤرخين على سعة علمه، وكثرة محفوظه، وجودة شعره، وكثرة تأليفه، وأضافوا إلى ذلك أنه كانت له رحمة وألفة بصنوف الحيوان، يأنس بصحبتها، ويعالجها إذا أصابتها العلة، ويأسى لموتها، وقد أُثرت عنه أبيات رقيقة في رثاء ديك له مات، جاء فيها:
بتحنن وتأسف وشهـــيق أبكي إذا أبصرت ربعك موحشـا
في منزل دان إليَّ لصـيق ويزيدني جزعا لفقدك صــادح
بسواد ليل أو بياض شروق فتأسفي أبدا عليك مواصـــل
ألف أبو الفرج الأصفهاني أكثر من 30 كتابا، لم تسلم كلها من عوادي الزمن، ووصل إلينا منها: "الإماء الشواعر"، و"مقاتل الطالبيين" وتناول فيه سيرة أكثر من 200 من قتلى الطالبيين وشهدائهم منذ زمن الرسول -صلى الله عليه وسلم- إلى الوقت الذي انتهى فيه من تأليفه سنة (313هـ = 925م)، وكانت شخصية علي بن أبي طالب هي أهم شخصية تناولها بالترجمة، فأفرد لها صفحات كثيرة، ثم تتابعت شخصيات العلويين لتشمل الحسن والحسين ابني علي بن أبي طالب وغيرهما من آل البيت.
كتاب الأغاني
غير أن أهم كتبه هو "الأغاني" الذي نال شهرة واسعة وصِيتا ذائعا لم ينله كتاب في الأدب العربي منذ أن ظهر للناس في القرن الرابع الهجري حتى يومنا هذا، ووصفه ابن خلدون بأنه "ديوان العرب، وجامع أشتات المحاسن التي سلفت لهم في كل فن…".
ويذكر لنا أبو الفرج الباعث على تأليف كتابه في مقدمته، فيقول: "والذي بعثني على تأليفه أن رئيسا من رؤسائنا كلفني جمعه له، وعرفني أنه بلغه أن الكتاب المنسوب إلى إسحاق الموصلي في الغناء مدفوع أن يكون من تأليفه، وهو مع ذلك قليل الفائدة، وأنه شاك في صحته…" وموضوع الكتاب هو الغناء، ألفه ليكون بديلا عن الكتاب المنسوب إلى إسحاق الموصلي، ولذلك صدَّر كتابه بذكر "المائة صوت المختارة للرشيد الذي أمر إبراهيم الموصلي، وإسماعيل بن جامع وفليح بن العوراء باختيارها له من الغناء، ثم رفعت إلى الواثق بالله ، فأمر إسحاق بن إبراهيم أن يختار له منها ما رأى أنه أفضل مما كان اختير متقدما…".
وكان أبو الفرج يبدأ بذكر الصوت الذي اختاره والشعر المتعلق به، ثم يستطرد إلى ذكر أشعار أخرى قيلت في المعنى نفسه، وتغني بها، ثم يتناول المناسبة التي قيلت فيها هذه الأشعار، وقد تكون المناسبة اجتماعية أو سياسية فيبين ذلك، وهو في أثناء ذلك يتعرض لذكر الإنسان وأخبار القبائل، وقصص وأشعار وملح، فيقف القارئ على ألوان مختلفة من الحياة، وعادات متفرقة في بيئات مختلفة، وطرائق الحياة في البادية والقصور من لهو وتسلية فراغ.
ولم يلتزم أبو الفرج في اختيار الأصوات التي ذكرها بالترتيب الزمني للشعراء والمغنين، وإنما رتبها حسب الأصوات المائة التي اختارها المغنون الثلاثة للرشيد، وقد حوى كتاب الأغاني تراجم لزهاء 300 شاعر وقرابة 60 من المغنيين والمغنيات.
ومعظم من ترجم لهم كانوا من شعراء الجاهلية والإسلام، ولم يلتزم في أخبارهم ترتيبا تاريخيا، وإنما ينثر ما انتهى إليه من أخبار الشاعر حينما اتفق. واتبع طريقة المحدّثين في إسناد كل خبر إلى رواته.
وقد أنفق أبو الفرج في تأليف كتابه 50 سنة، واعتمد في كتابته على مصادر متعددة بعضها شفوية استمدها من أفواه الرواة والأدباء والمجالس الأدبية التي كان يحرص على حضورها، وبعضها أخذها من الكتب التي تعنى بالشعر والغناء، وهو إن أغفل ذكر اسم الكتاب لا يهمل اسم المؤلف لأهمية ذلك في الثقة بالخبر وتقويمه.
وعلى الرغم من أهمية الكتاب التي لا يختلف عليها الباحثون في التاريخ والحضارة، فقد وجه للكتاب عدد من المآخذ، وإن كانت لا تقلل من شأن الكتاب، لكنها تبصر القارئ بأن الكتاب ليس مصدرا للتاريخ يُعتمد عليه وحده، وأنه يصور جانبا من حياة بعض الناس لا حياة الأمة كلها، ومن تلك المآخذ أنه ركز على تصوير الحياة اللاهية في المجتمع البغدادي، وأبرز الجوانب الضعيفة في حياة بعض أفراده من خلفاء وقادة وشعراء، واختزل حياتهم في جانب المجون والخلاعة، وأغفل ما كان منها جادًّا ورزينا، حتى يكاد القارئ يتصور أن بغداد -مدينة العلم وكعبة الثقافة- كانت مركزا للمجَّان والخلعاء لا مركزا للثقافة الجادة وحلقات العلم التي كانت تمتلئ بها مساجدها.
مختصرات الأغاني
نظرا لضخامة كتاب الأغاني وأهميته في الوقت نفسه فقد عمد كثير من العلماء لاختصاره بمناهج مختلفة ليسهل تداوله ويعم الانتفاع به، ومن أشهر تلك المختصرات:
- "تجريد الأغاني من المثالث والمثاني" لـ"جمال الدين محمد بن سالم" المعروف بابن واصل الحموي المتوفى سنة (697هـ = 1297م) جرَّد الكتاب من الأسانيد والأصوات، وكل ما يتصل بفن الغناء، واقتصر على الأخبار والتراجم الأدبية. وقد نُشر الكتاب بالقاهرة سنة (1374هـ = 1955م) بتحقيق طه حسين وإبراهيم الإبياري.
- "مختار الأغاني في الأخبار والتهاني" لـ"ابن منظور المصري" صاحب لسان العرب، والمتوفى سنة (711هـ = 1311م) ورتبه على حروف الهجاء، وأضاف إليه ترجمة واسعة لأبي نواس، التي أغفلها أبو الفرج في كتابه، ونشر الكتاب محققا في القاهرة في 8 أجزاء سنة (1385هـ = 1966م).
وفي العصر الحديث صنع المؤرخ المعروف "محمد الخضري" المتوفى سنة 1345هـ = 1927م) مختصرا للأغاني، سماه تهذيب الأغاني،حذف منه الأسانيد وما فيه فحش من الأشعار والأخبار، وجعله في قسمين: الأول للشعراء، والثاني للمغنين، ورتب الشعراء حسب العصور ونشره في 7 أجزاء سنة (1343هـ = 1925م). كما قام الدكتور إحسان النص بعمل "اختيارات من كتاب الأغاني" ونشر كتابه في 6 أجزاء، وفصل فيه بين الشعراء والمغنين، ورتبهم حسب العصور.
وقد طبع كتاب الأغاني طبعات متعددة، فطبع كاملا لأول مرة بمطبعة بولاق بالقاهرة سنة (1305هـ = 1868م)، ثم توالت طبعاته بعد ذلك، حتى قامت دار الكتب المصرية بطبعة محققا على أسس علمية، فصدر الجزء الأول سنة (1343هـ = 1925م)، وكان ذلك استجابة لرغبة أحد الوجهاء المثقفين المصريين، فقد رغَّب الدار أن تطبع الكتاب على نفقته، ثم توالت أجزاء الكتاب حتى بلغت 24 مجلدا، وهي تعد أوفى الطبعات وأكملها تحقيقا.
وفاته
وبعد حياة عريضة من العمل والتأليف، وذيوع الشهرة والصيت بسبب كتابه الأغاني، توفي أبو الفرج الأصفهاني في بغداد (14 من ذي الحجة 356هـ = 20 من نوفمبر 967م).




تابع
التوقيع :

لمشاهدة الوصلات والصور في التوقيع أن يجب أن تكون لديك 10 مشاركات أو أكثر. أنت الآن تملك 0 مشاركة.


لمشاهدة الوصلات والصور في التوقيع أن يجب أن تكون لديك 10 مشاركات أو أكثر. أنت الآن تملك 0 مشاركة.

  رد مع اقتباس
قديم 11-11-2009, 03:32 PM   #7 (permalink)
مديره الموقع
 
الصورة الرمزية جنه حزينه من القلب
افتراضي

بديع الزمان الهمذاني


يعد "بديع الزمان الهمذاني" المبتكر الأول لفن المقامة الذي انتشر على نحو واسع كأحد فنون النثر في الأدب العربي، كما يعد الرائد الحقيقي للصحافة، ليس في الأدب العربي فحسب، وإنما كان الصحفي الأول على الإطلاق؛ فقد كانت رسائله ومقاماته النقدية الاجتماعية هي البدايات الحقيقية الأولى لذلك الفن الذي عُرف فيما بعد بالصحافة.
الميلاد والنشأة
ولد "بديع الزمان أبو الفضل أحمد بن الحسين الهمذاني" في همذان ( همدان ) وسط ايران بالقرب من طهران سنة [358 هـ= 969م]، لأسرة عربية ذات علم وفضل ومكانة مرموقة، فقد كان أخوه "الحسين بن يحيى" مفتي همذان.
ونشأ "بديع الزمان" في بيئة علمية خصبة، حيث كانت همذان موطن عدد كبير من العلماء الأعلام الذين تتلمذ عليهم "بديع الزمان"، ومنهم " أحمد بن فارس" اللغوي المعروف، و"أبو بكر محمد بن الحسين الفراء" اللغوي الشهير.
وعندما بلغ "بديع الزمان" الثانية والعشرين من عمره غادر همذان متوجهًا إلى أصبهان حيث اتصل بالصاحب بن عباد وزير "بني بويه".
كانت " أصبهان" -عاصمة "بني بوية"- مدينة جميلة حافلة بالمناظر الساحرة والبساتين البديعة، والقصور الفخمة والطبيعة الفاتنة، ولذلك فقد كانت تجذب إليها الأدباء والشعراء، وكان للصاحب بن عباد دور كبير في تشجيع الأدباء والعلماء وإثراء الحركة الأدبية والعلمية في أصفهان، حتى غدت تلك المدينة، إحدى منارات العلم في ذلك العصر، ومحط أنظار العلماء والأدباء، وكعبة طلاب العلم من كل مكان.
في أصفهان
وأقبل بديع الزمان على مجالس الأدباء والشعراء في أصفهان، وسرعان ما جذب إليه الأنظار ببراعته وقوة حافظته، حتى إنه كان يحفظ و"ينشد الشعر لم يسمعه قط -وهو أكثر من خمسين بيتًا- إلا مرة واحدة، فيحفظها كلها ويؤديها من أولها إلى آخرها ولا يخرم حرفًا، وينظر في الأربعة أو الخمسة الأوراق من كتاب لم يعرفه ولم يره نظرة واحدة خفيفة ثم يهذّها عن ظهر قلب هذا ويسردها سردًا".
وكان الهمذاني يميل إلى الإسجاع والإغراب والأحاجي، وكان بارعًا متفردًا في هذا الباب، يروى أنه "كان يُقترح عليه عمل قصيدة وإنشاء رسالة في معنى بديع وباب غريب فيفرغ منها في الوقت والساعة، وكان ربما كتب الكتاب المقترح عليه فيبتدئ بآخره، ثم هلم جرًّا إلى أوله، ويخرجه كأحسن شيء وأملحه".
وعُرف بسرعة بديهته وحضور ذهنه وقدرته الفائقة على النظم والارتجال، لا يكاد يباديه أحد أو يجاريه إنسان، فكان "يُقترح عليه كل عويص وعسير من النظم والنثر فيرجله أسرع من الطرف على ريق لم يبلغه، ونفس لا يقطعه، وكلامه كله عفو الساعة وفيض اليد ومسارقة القلم، ومسابقة اليد للفم، وكان يترجم ما يُقترح عليه من الأبيات الفارسية المشتملة على المعاني الغربية بالأبيات العربية".

الرحيل إلى نيسابور
إلا أن بديع الزمان السُّنّي المتعصب للعرب لم يستطع الاندماج في مجتمع بني بويه وبلاط الصاحب بن عباد الشيعي الخالص، ولم يطل مقام بديع الزمان بأصبهان، فتركها إلى جرحان، حيث أقام في كنف "أبي سعيد محمد بن منصور"، واتصل بأميرها "شمس المعالي قابوس بن وشمكير" أمير الدولة ال**ادية، وكان أديبًا بليغًا، وله معه مراسلات بديعية.
غير أن بديع الزمان لم يلبث أن غادر جرحان لخلاف بينه وبين أبي سعيد، فاتجه إلى نيسابور سنة [382هـ= 992م].
وكانت نيسابور أعظم مدن خراسان في ذلك الوقت، وكانت ملتقى العلماء وأعلام الفكر والأدب، وكان العلماء والأدباء كثيرًا ما يعرّجون عليها في رحلاتهم بين المشرق والعراق، فيقيمون فيها بعض الوقت.
وذاعت شهرة بديع الزمان في نيسابور بعد مناظرته الشهيرة مع العالم الأديب "أبي بكر محمد بن العباس الخوارزمي" وانتصاره عليه بشكل لفت الأنظار إلى قدراته الأدبية الفذة، فطار بذلك صيته وعلت شهرته.
واستطاع بديع الزمان خلال فترة إقامته بنيسابور إملاء عدد كبير من المقامات بلغت أربعمائة مقامة، وقد اتصل خلالها بعدد كبير من أدباء نيسابور وأعلامها مثل: الأديب أبي نصر سهل بن المر**ان، وأبي جعفر الميكالي أحد وجهاء آل ميكال المقدّمين، وقد مدحه بديع الزمان ونال عطاءه، كما كانت له صلة طيبة بواحد من أكبر وجهاء نيسابور وهو أبو الطيب سهل بن محمد الصعلوكي، وكانت له حظوة ومكانة كبيرة عنده.
وطاب المقام لبديع الزمان بنيسابور بعدما نال من الشهرة والحظوة، ورغب في الاستقرار بها، ولكن حساده ومنافسيه سعوا بالوشاية ضده والدسائس عليه حتى أوغروا عليه أبا جعفر الميكالي، والصعلوكي، فحُرِم مما كان ينعم به من الشهرة والجاه والعطاء.

في ربوع خراسان
ولم يمضي عام على قدومه إلى نيسابور حتى كان قد خرج منها في أوائل سنة [383هـ = 993م] إلى سرخس حيث اتصل بالسلطان محمود الغزنوي الذي قربه وأحسن إليه، وأغدق عليه من عطاياه، وهناك تعرف إلى عدد كبير من أعيان سرخس وعلمائها.
ولكنه لم يلبث أن شد عصا الترحال إلى بجستان، فلقي ترحيبًا كبيرًا من أميرها "خلف بن أحمد"، ووجد في كنفه عيشًا رغدًا وحياة ناعمة هانئة، ومكانة كريمة، ولكن دسائس الحساد ومكائد المنافسين سرعان ما أفسدت ما بينه وبين الأمير، فتغير عليه، وعندئذ رحل إلى بوشينج، وهناك توثقت صلته بالوزير أبي نصر الميكالي، وبعد أن استقر بها زمنًا، رحل إلى هراة.

الاستقرار في هراة
كان سرور الهمذاني كبيرًا بهذه البلدة، وبالرغم مما شهدته تلك المدينة من الاضطرابات ـ نتيجة الحروب الكثيرة التي تعرضت لها، وتغير الولاة عليها، والمحن المختلفة التي أصابتها من غلاء وفقر ومصادرات وأمراض ـ فإن الهمذاني فضل الاستقرار بها، وعاش فيها حتى توفي.
وكان بديع الزمان يرصد كل ما يحدث بها من ظواهر اجتماعية، وأحداث سياسية، ونكبات اقتصادية، ومعارك حربية، ويسجل كل ما يراه من الجوانب السلبية التي سادت نواحي الحياة المختلفة في عصره، حتى غدت رسائله مصدرًا مهمًّا من مصادر التاريخ الاجتماعي لهراة في العقد الأخير من القرن الرابع الهجري.
وفي هراة استطاع الهمذاني أن يصيب قدرًا كبيرًا من الثراء، وأن يحقق نجاحًا ملحوظًا في نشاطه التجاري، فتوسعت علاقاته التجارية حتى بلغت مدينة بلخ، وقد ساعده على ذلك على زواجه من ابنة أبي علي الحسين الخشنامي ـ أحد أعيان هراة ـ بالإضافة إلى رعاية الوزير أبي نصر الميكالي له، وتوطد علاقته بحاكم هراة "أبي عامر عدنان بن محمد الضبي" و"أبي العباس الفضل بن أحمد الإسفراييني" وزير السلطان "محمود الغزنوني".

من أقوال العلماء فيه
قال عنه الثعالبي: "هو بديع الزمان ومعجزة همذان، ونادرة الفلك، وبكر عطارد، وفرد الدهر، وغرة العصور، ومن لم يُدرك قرينه في النثر وملحه، وغرر النظم ونكته، ولم يُر أن أحدًا بلغ مبلغة من الأدب وسرّه، وجاء بمثل إعجازه وسمره، فإنه كان صاحب عجائب وبدائع وغرائب".

ويصف الحاكم أبو سعيد عبد الرحمن بن دست ـ جامع رسائل الهمذاني ـ بقوله: "وكان أبو الفضل طلق البديهة، سمح القريحة، شديد العارضة، زلال الكلام عذبه، فصيح اللسان غضبه، إن دعا الكتابة أجابته عفوًا، وأعطته قيادتها صفوًا، أو القوافي أتته ملء الصدور على القوافي، ثم كانت له طرق في الفروع هو افترعها، وسننٌ في المعاني هو اخترعها".

رسائل بديع الزمان
على الرغم من الشهرة الواسعة التي حققها بديع الزمان كأديب ورائد من رواد فن المقامة في الأدب العربي، وشاعر متميز، فإنه لم يترك نتاجًا أدبيًا وشعريًا كبيرًا، حيث لم يقدم ـ طوال عمره ـ سوى ثلاثة مصنفات هي: الرسائل، والمقامات، والديوان، ولكنه بالرغم من قلة إنتاجه فقد ترك بصمات واضحة على الأدب العربي، وكان واحدًا من أبرز رواده، ومن المبدعين القلائل الذين ابتكروا ألوانًا من الأدب لم يسبقهم إليها غيرهم.
وقد برع الهمذاني في فن الرسائل، كغيره من كبار أدباء عصره في القرن الرابع الهجري، الذي كان من أزهى عصور النثر الفني والكتابة الأدبية في تاريخ الأدب العربي؛ فقد كان القرن الرابع هو العصر الذهبي لكتابة الرسائل، واتسمت الكتابة فيه بالإغراق في ألوان البديع، والولع بالزخارف اللفظية، حتى غدت الرسائل وكأنها نسيج رائع موشّى بالأسجاع، محلّى بالمحسنات البديعية ولآلئ البيان.
وقد انقسمت الرسائل تبعًا لأغراضها وأساليبها إلى نوعين:
الرسائل الديوانية: وهي التي تكتب في شئون الدولة، وتسجل الأحداث التاريخية أو الأوامر والتوجيهات الرسمية إلى الولاة والأمراء والقواد وكبار الموظفين في الدولة.

وكان من أشهر كتاب هذه الرسائل: أبو الفضل بن العميد، والصاحب بن عباد، والوزير المهلبي، والأمير قابوس بن وشمكير.
الرسائل الإخوانية: وهي التي يكتبها الأدباء عامة من غير العاملين في دواوين الدولة، وهي غير محددة بموضوعات معينة، وإنما يكتبها الأدباء في مناسبات خاصة أو مطارحات أدبية ومساجلات بلاغية فيما بينهم.
وكان من أشهر كتاب تلك الرسائل ـ بالإضافة إلى من سبق ـ: أبو حيان التوحيدي، وأبو بكر الخوارزمي، وبديع الزمان الهمذاني.
وقد ترك بديع الزمان تراثًا وافرًا من الرسائل التي عكست بوضوح انطباعاته النفسية العميقة، وحسه الفني المرهف، ومزاجه الأدبي الرفيع، وكشفت بجلاء عن خلجاته وأحاسيسه وكثير من جوانبه النفسية وحالاته الوجدانية من فرح وسرور، أو تشاؤم وحزن، أو شكوى ونقمة، وتظهر شجاعته واعتداده بنفسه، فهو لا يبالي في هجومه على من يتعرض لنقدهم، وإظهار الجوانب السلبية التي يراها في أعمالهم وسلوكهم .
وتناول الهمذاني في رسائله العديد من الأغراض: كالمدح والهجاء، والشكوى والعتاب، والتهنئة والاعتذار، والاستعطاف والاستجداء، والنصح والإرشاد، والصداقة والإخاء، والفخر والاعتزاز بالنفس.
كما حظيت الحياة العامة والجوانب الاجتماعية - وخاصة العيوب والسلبيات التي كانت منتشرة في زمانه- بنصيب وافر من رسائله، ولعله في ذلك يكون أول رائد لفن المقالة الصحفية في الأدب العربي، بل ربما كان أول صحفي على الإطلاق عند العرب وغير العرب، فليست رسائله التي تناول فيها المشاكل العامة نقدًا وبناءً إلا مقالات صحفية مبّكرة، وإذا كانت ميزات الصحافة الحديثة سرعة انتشار الصحيفة، فإن رسائل بديع الزمان شأنها في ذلك شأن غيرها من رسائل معاصريه، فلقد كانت سرعان ما تصل إلى كل مكان من الأرض الإسلامية، يتلقفها الناس ويقرءونها.
ويعنى الهمذاني في رسائله بانتقاء الألفاظ الموسيقية العذبة، كما يحرص على توليد الصور المختلفة في غير تكلف ولا عنت، فهو يردد المعنى الواحد بصور شتى، وصيغ متعددة، كما يحرص على الاقتباس من القرآن الكريم، والشعر العربي، ويهتم بألوان البيان كالاستعارة والتشبيه، كما يولع بالمحسنات البديعية كالسجع والجناس والطباق المقابلة.

مقامات بديع الزمان
ترجع شهرة بديع الزمان الهمذاني إلى مقاماته الشهيرة التي كان له فضل السبق إليها، فهو أول من ابتكر فكرتها، وأطلق عليها هذا الاسم حتى اشتهر بها وقد أعجب كثير من الأدباء بهذا اللون الجديد من فنون الأدب، فاقتفوا أثره ونسجوا على منواله.
وأصل المقامة في اللغة: المجلس والجماعة من الناس، وقد أُطلقت على المحاضرة، كما أطلقت على المجالس التي كان يستقبل فيها الخلفاء الأدباء والعلماء.
ويذكر الثعالبي في ترجمته لبديع الزمان أنه أملى أربعمائة مقامة بنيسابور، ولكن الذي وصلنا منها لا يتجاوز اثنتين وخمسين مقامة فقط. وقد اخترع الهمذاني بطلين لمقاماته، سمى أحدهما عيسى بن هشام، والآخر أبا الفتح الإسكندري، وجعل الأول رواية، والثاني بطلا مغامرًا.
ولم يحرص بديع الزمان على أن يظهر أبا الفتح في جميع المقامات، بل كان يقلل من شأن مغامراته أحيانًا ويغفل ذكره أحيانًا، وشخصية أبي الفتح الإسكندري شخصية مثيرة متعددة الجوانب، تثير العجب وتدعو إلى الإعجاب، فهو يحترف الكُدية (التسول)، ويتميز بالفصاحة في اللسان، والبراعة في الشعر، كما أنه شخصية فكاهية مرحة، يتسم بالذكاء وخفة الظل، محب للمغامرة وارتياد المجهول.
وموضوعات المقامات -في معظمها- ذات صلة بالناس، وتتعلق بالحياة اليومية والمشكلات العامة، وتصور أخلاق المعاصرين وأحوال العصر أحسن تصوير.
وتتميز المقامات بكثرة الشواهد الشعرية، وحسن المواءمة بين الشعر والنثر، كما تظهر فيها قدرات الهمذاني البيانية العالية، وبراعته الفائقة في استخدام المحسنات البديعية.

بديع الزمان شاعرًا
لم يكن الهمذاني وحده من بين أدباء عصره الذي اقتحم ميدان الشعر، فإن كثيرًا من معاصريه مارسوا نظم الشعر حتى أصبح ذلك تقليدًا متبعًا عند قدامى الكتاب الذين حافظوا على تلك الظاهرة، وتوارثوها، حتى إننا لنجد أثرًا منها لدى كثير من الكتاب في العصر الحديث، مثل عباس محمود العقاد، وإبراهيم عبد القادر المازني، ومصطفى صادق الرافعي، وطه حسين.
ويحتل المديح الجانب الأكبر من ديوان الهمذاني، وتتوزع بقية الأغراض في الجزء المتبقي من الديوان. ويتفاوت شعره من حيث الجودة، وأجود شعره في أغراض المدح، فإذا كتب في غيره من الأغراض قل نصيبه من الجودة، وصارت طبيعة الكاتب هي الغالبة عليه.
ومن شعره الجيد في الحكمة:
يا من يطيل بناءه متوقيًا *** ريب المنون وصرفه لا تُحْرَجِ
فالموت يفرغ كل قصر شامخٍ *** والموت يفتح كل باب مرْتَجِ
ومن شعره في الوصف، ويتجلى فيه كلفه بالمحسنات البديعية:
خلع الربيع على الربى *** وربوعها خزًا وبزّا
أَوَما ترى الأقطار قد *** أخذت من الأمطار عِزّا

ومن شعره في مدح السلطان محمود بن سبكتكين:

أطلت شمس محمود *** على أنجم ساحان
وأمسـى آل بهـرام *** عبيدًا لابن خاقان
إذا ما ركـب الفيـل *** لحرب أو لميدان
رأت عيناك سلطانا *** على منكب شيطان

وتوفي بديع الزمان الهمذاني في [11 من جمادى الآخرة 398هـ= 23 من فبراير 1008م] عن عمر بلغ أربعين عامًا، وتذكر الروايات أنه مات بالسكتة، وعُجّل بدفنه فأفاق في قبره، وسمع صوته بالليل، فنُبش عنه، فوجدوه قابضًا على لحيته، ولكن ابن خلكان يذكر أنه مات مسمومًا دون أن يشير إلى من دس له السم، أو أن له أعداء .




تابع

التوقيع :

لمشاهدة الوصلات والصور في التوقيع أن يجب أن تكون لديك 10 مشاركات أو أكثر. أنت الآن تملك 0 مشاركة.


لمشاهدة الوصلات والصور في التوقيع أن يجب أن تكون لديك 10 مشاركات أو أكثر. أنت الآن تملك 0 مشاركة.

  رد مع اقتباس
قديم 11-11-2009, 03:34 PM   #8 (permalink)
مديره الموقع
 
الصورة الرمزية جنه حزينه من القلب
افتراضي

أحمد القادياني

أخمد الإنجليز الثورة التي اشتعلت ضدهم في الهند (سنة 1274هـ = 1857م)، وكانت ثورة عارمة كادت تعصف بالوجود البريطاني كله هناك، وكان المسلمون في الهند وراء إشعال لهيب الثورة، التي يغذيها روح الجهاد وحب الاستشهاد وفتاوى العلماء بأن الهند دار حرب وبعد أن أحكم الإنجليز سيطرتهم، وقضوا على الحكم الإسلامي في الهند، عكفت حكومة الاحتلال على دراسة الأوضاع في شبه القارة الهندية، وإرسال البعثات لجمع المعلومات وتقصّي الحقائق؛ بحثا عن الأسباب التي أدت إلى اشتعال الثورة بهذه القوة والضراوة، ووضع الوسائل والآليات التي تمنع حدوثها.
أرسلت الحكومة البريطانية وفدا يضم مفكرين وزعماء مسيحيين في سنة (1286هـ = 1869م)، فمكث في الهند فترة يدرس الأوضاع، ويحلل الأسباب وقدم تقريرا إلى الحكومة خلص فيه إلى أن أكثر المسلمين في الهند يتبعون زعماءهم الدينيين اتباع الأعمى، وقالوا: لو وجدنا شخصا يدّعي أنه نبي لاجتمع حوله كثير من الناس، ولكن ترغيب شخص كهذا أمر في غاية الصعوبة، فإن حلت هذه المسألة، فمن الممكن أن ترعى نبوة هذا الشخص بأحسن وجه تحت إشراف الحكومة، والآن- ونحن مسيطرون على سائر الهند- نحتاج إلى مثل هذا العمل لإثارة الفتن بين الشعب الهندي وجمهور المسلمين.
وقد درست السلطات البريطانية ما جاء في التقرير وحددت المواصفات لمن يقوم بهذا الدور، وفضلت أن يكون من بين الأسر التي توالي الإنجليز، وأن يكون مسلما تتوافر فيه مقومات الزعامة، خطيبا لبقا، يجيد الجدل والمناظرة، ووجد الإنجليز ضالتهم في "أحمد القادياني".
المولد والنشأة
ولد "أحمد مرتضى بن عطاء" سنة (1225هـ = 1839م) في قرية قاديان، إحدى قرى منطقة البنجاب التابعة الآن لباكستان، وإلى هذه القرية نُسب أحمد واشتهر باسم "أحمد القادياني".
نشأ في أسرة تدين بالولاء للإنجليز وترتبط بصداقات مع طائفة السِّيخ، ألدّ أعداء الإسلام والمسلمين في الهند، وتعلم تعليما دينيا، فحفظ شيئا من القرآن، وتعلم اللغتين الفارسية والعربية، ودرس المنطق والحكمة، والأدب، والطب القديم، ولما بلغ أشده عمل موظفا في محكمة ابتدائية إنجليزية في مدينة "سيالكوت" القريبة من لاهور، ثم استقال منها بعد أربعة أعوام لمعاونة أبيه في إدارة شؤونه الخاصة، وطوال هذه الفترة لم يتوقف عن القراءة والمطالعة.
ثم خاض أحمد القادياني غمار الجدل والمناظرات الدينية التي تحتدم في إقليم البنجاب، الذي كان يموج بالإرساليات التبشيرية التي تعمل على تنصير المسلمين وتهاجم الإسلام ونبيه، فضلا عن المناظرات بين أصحاب الأديان المختلفة، وكان المسلمون ينظرون إلى من ينهض للدفاع عن دينهم، ويجيد آليات الجدل ومقارعة الخصوم- نظرة إجلال وتقدير، وكان هذا هو المدخل الذي نفذ من خلاله أحمد القادياني، ويبدو أن هذا كان بتدبير الإنجليز الذين كانوا يبحثون عن الشخص الذي يجعل ما جاء في تقرير لجنتهم موضع التنفيذ.
دعوة القادياني
نجح أحمد القادياني في جذب الأتباع والأنصار إليه باعتباره واحدا من المدافعين عن الإسلام، فالتفوا حوله، وأنزلوه في نفوسهم منزلة رفيعة، ولما رأى شهرته تتسع وأتباعه يتزايدون، أضفى على عمله صفة القداسة، وزعم أنه مأمور من الله تعالى بالدفاع عن الإسلام، وحماية عقيدته، مستغلا ضعف الثقافة الدينية لدى أتباعه، وبراعته في الجدل والإقناع، ثم أتبع ذلك بالدعاية لنفسه بأنه قادر على كشف الغيب، والتنبؤ بأحداث المستقبل، وأنه مستجاب الدعوة.
غير أن هذه الدعاوى لم تصادف قبولا تاما، وأغضبت علماء المسلمين وأثارتهم ضده، وهو الذي يزعم أنه يعمل لصالح الإسلام، فخشي غضبة العلماء وثورة الجماهير فعدل عن ذلك، وتراجع عن ادعاءاته، حتى تحين الفرصة المناسبة، ونسب لنفسه صفة المجدد، مستغلا الحديث المعروف بأن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة عام من يجدد لها دينها.
وفي هذه الفترة ألّف كتابين يخدم بهما فكرته، ويهيئ الأذهان للخطوة التالية التي سيقدم عليها؛ حيث جمع في أحدهما آراءه ومناظراته مع خصوم الإسلام، وحشد في الآخر الأدلة الدامغة على ثبوت المعجزات، وإمكانية وقوعها، وليس للعقل البشري المحدود أن ينكر وجودها.
أنا عيسى ابن مريم !!
كان حديثه عن إمكانية حدوث المعجزة التي هي من خصائص الأنبياء التمهيد للخطوة الأخرى، والتوطئة للدعوة إلى نفسه بأنه المسيح الموعود لهذه الأمة الذي بشرت به الأحاديث النبوية، فزعم أن له شبهًا بالسيد المسيح، وأضفى على نفسه صفات المسيح التي جاءت في المرويات، فأعلن في سنة (1309هـ=1891م) في بلدة "لودهيانة" أنه المسيح الموعود الذي بعثه الله من جديد لتخليص العالم من آلامه وشروره، وأنه الأمل الذي طال انتظاره، وقد واجه علماء المسلمين في لودهيانة ادعاءات القادياني بالرفض والتفنيد، وقاد هذه الحملة الصادقة "مولوي محمد حسين" صاحب جريدة "إشاعة السنة"، ودعا إلى مناظرة القادياني حتى يتبين للناس كذب ما ادعاه، لكن والي المدينة حال دون وقوعها، فقد كان من أتباع القادياني، وأجبر العلماء على مغادرة لودهيانة.
ثم انتقل القادياني إلى "دلهي" العاصمة الهندية يدعو لنفسه، ويبشر بمذهبه، فأنكر عليه العلماء دعواه، وطلبوه للمناظرة، فلم يستجب لهم، واستمر في دعوته، محميا بالإنجليز الذين أحاطوه برعايتهم، وأسس في سنة (1316هـ = 1898م) مدرسة بقاديان لتعليم أبناء شيعته مبادئ نحلته، ووضع قانونا لأتباعه يدعوهم فيه ألا يزوجوا بناتهم إلا من كان على شاكلتهم ويدين بمذهبهم.
ادعاؤه النبوة
انتقل القادياني إلى المرحلة الثالثة بعد ادعائه الولاية والصلاح، وأنه المسيح الموعود، فأعلن في سنة (1318 هـ = 1900م) النبوة المستقلة، قاطعا شوطا كبيرا، إلى الهدف الذي رسمه الإنجليز في صنع رجل يخدم مصالحهم في الهند، وكان لهذه الدعوى دويّ كبير، لم يخفف منه ادعاؤه بأنه نبي يدور في فلك النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) وتابِع له، فانصرف عنه كثير من المخدوعين به، وبقي معه أصحاب المنافع والأهواء.
ولم يمض عام على هذه الدعوى حتى أعلن أنه نبي مستقل، مثله مثل سائر الأنبياء والمرسلين، قائلا: إنني صادق كموسى وعيسى وداود ومحمد (صلى الله عليه وسلم)، وقد أنزل الله لتصديقي آيات سماوية تربو على عشرة آلاف، وقد شهد لي القرآن، وشهد لي الرسول، وقد عيّن الأنبياء زمن بعثتي، وذلك هو عصرنا هذا.
إلغاؤه فريضة الجهاد
استهدف القادياني من إعلانه النبوة تحقيق أمل الإنجليز في حياة مستقرة بالهند، دون ثورات وقلاقل، كان يقف وراءها المسلمون، ولم يكن هناك ما يحقق هذا الغرض سوى الإعلان بأن الجهاد قد أُلغي ونُسخ، ولما كان القادياني قد أعلن نفسه نبيا، فإنه أصبح في المنزلة التي تسمح له أن يكون صاحب تشريع يُلزِم به أتباعه.
أعلن القادياني إلغاء الجهاد للحفاظ على الإنجليز في الهند، فيقول لأتباعه: "اليوم نُسخ الجهاد بالسيف بإذن الله، فمن حمل السيف على كافر بعد اليوم وسمى نفسه غازيا فقد عصى رسول الله، الذي قال قبل ألف وثلاثمائة سنة: إن الجهاد بالسيف ينتهي بعد مجيء المسيح الموعود.. فلا جهاد الآن بعد ظهوري".
ويكتب إلى الحكومة الإنجليزية سنة (1320هـ = 1902م) هذه هي الفرقة القاديانية التي تسعى ليل نهار لإزالة عادة الجهاد المعربدة من أفكار المسلمين.
ويؤلف الكتب والرسائل التي تحارب الجهاد، وخاصة إذا كان ضد الإنجليز، ويقول هو عن ذلك: "لقد ألّفت عشرات من الكتب، فيها أنه لا يحل الجهاد أصلا ضد الحكومة الإنجليزية التي أحسنت إلينا".
ومن العجيب أن القادياني الذي نسخ الجهاد وحرمه أوجبه بالاشتراك مع الإنجليز ضد المسلمين، وكأن جهوده كلها كانت مصروفة لصدّ المسلمين عن محاربة الإنجليز؛ ولذا كان القادياني يجعل طاعة الإنجليز وموالاتهم شرطا لمن يدخل في دعوته، بل وجعل طاعتهم من طاعة الله، فيقول: إن خروجنا ضد الحكم الإنجليزي خروج على طاعة الله ورسوله.

نهاية القادياني
ومنذ عام (1320هـ = 1902م) بدأ القادياني يميز أتباعه بإحصاء عددهم، وتقييد أسمائهم في سجلات خاصة بهم، والتمييز بينهم وبين المسلمين، وأنشأ في قاديان مسجدا، جعله قبلة للحج لأتباعه بدلا من الحج إلى مكة، وأقام مدرسة لتخريج الدعاة إلى مذهبه، وأصدر مجلة لنشر أفكاره، أطلق عليها "الأديان"، وطاف بمدن الهند للدعوة إلى مذهبه ونحلته، وكان علماء المسلمين يتصدون له في كل مكان ينزل به، ويفندون أفكاره، ويحذرون الناس من دعوته، إلى أن استقر في لاهور سنة (1326هـ = 1908م)، وهناك كان علماء المسلمين يجتمعون بعد صلاة العصر في مكان قريب من بيته، يلقون الخطب والمحاضرات يحذرون الناس من الاغترار بمزاعمه، وبقي القادياني في لاهور إلى أن تُوفي في (23 من ربيع الآخر 1326هـ = 26 من مايو 1908م)، وتم نقل جثته إلى قاديان، حيث دُفن بها.
وبعد موته تولّى ابنه "بشير الدين محمود أحمد" أمور فرقة القاديانية وتنظيم شؤونها، ويجدر بالذكر أن مجلس الأمة الباكستاني أصدر قرارا باعتبار القاديانية أقلية غير مسلم



تابع

التوقيع :

لمشاهدة الوصلات والصور في التوقيع أن يجب أن تكون لديك 10 مشاركات أو أكثر. أنت الآن تملك 0 مشاركة.


لمشاهدة الوصلات والصور في التوقيع أن يجب أن تكون لديك 10 مشاركات أو أكثر. أنت الآن تملك 0 مشاركة.

  رد مع اقتباس
قديم 11-11-2009, 03:35 PM   #9 (permalink)
مديره الموقع
 
الصورة الرمزية جنه حزينه من القلب
افتراضي

عمر بن عبد العزيز


تبوَّأ الخليفة عمر بن عبد العزيز مكانة سامقة في تاريخنا الإسلامي لم ينلها إلا الأفذاذ من القادة والفاتحين، والجهابذة من أئمة العلم، والعباقرة من الكتاب والشعراء. ويزداد عجبك حين تعلم أنه احتلّ هذه المكانة بسنتين وبضعة أشهر قضاها خليفة للمسلمين، في حين قضى غيره من الخلفاء والزعماء عشرات السنين دون أن يلتفت إليهم التاريخ؛ لأن سنوات حكمهم كانت فراغًا في تاريخ أمتهم، فلم يستشعر الناس تحولا في حياتهم، ولا نهوضًا في دولتهم، ولا تحسنا في معيشتهم، ولا إحساسًا بالأمن يعمّ بلادهم.
وهذا يجعلك تؤمن بأن القادة والزعماء يدخلون التاريخ بأعمالهم التي تغير تاريخ أمتهم لا بالسنوات التي عاشوها يحكمون؛ فالخليفة العباسي الناصر لدين الله قضى ستًا وأربعين سنة في منصب الخلافة (575هـ- 622هـ= 1179-1225م)، ومضى دون أن يحفر لنفسه مكانًا في تاريخ أمته، في الوقت الذي قضى فيه "سيف الدين قطز" سلطانًا في مصر نحو عام، نجح أثناءه في إلحاق أكبر هزيمة بالمغول في "عين جالوت"، وإعادة الثقة في نفوس المسلمين، ثم قضى نحبه على أيدي شركائه في النصر، بعد أن جذب الانتباه إليه، ونظر إليه الجميع بكل إعجاب وتقدير، وكان دوره التاريخي -على قِصَر فترته الزمنية- كبيرًا وباقيًا.
وكان عمر بن عبد العزيز واحدًا ممن دخلوا التاريخ بأعماله العظيمة وإدارته العادلة للدولة، حتى تجدد الأمل في النفوس أنه بالإمكان عودة حكم الخلفاء الراشدين واقعًا ملموسًا لا قصصًا تُروى ولا أماني تُطلب ولا خيالاً يُتصوَّر، بل حقيقة يشهدها الناس، وينعمون بخيرها.
واحتاج عمر بن عبد العزيز لإحداث هذا التغيير في حياة الأمة إلى ثلاثين شهرًا، لا إلى سنوات طويلة، ولهذا دلالته ؛ حيث إن الأمة كانت حية نابضة بالإيمان، مليئة بالرجال الذين يجمعون -إلى جانب الصلاح- القدرة والكفاءة، ولو كانت الأمة مُجدبة من أمثال هؤلاء لما استطاع عمر أن يقوم بهذا الإصلاح العظيم في هذه الفترة القصيرة، وسنحاول في هذا العدد رصد التغيير الذي أحدثه عمر بن عبد العزيز في حياة أمته.

المولد والنشأة
في المدينة المنورة وُلد لعبد العزيز بن مروان بن الحكم ولد سمّاه "عمر"، على اسم جدِّه "عمر بن الخطاب"، فأُمُّ عمر بن عبد العزيز هي "أم عاصم بنت عاصم بن عمر بن الخطاب". ولا يُعرف على وجه اليقين سنة مولده؛ فالمؤرخون يتأرجحون بين أعوام 59 هـ، 61هـ، 62هـ، وإن كان يميل بعضهم إلى سنة 62هـ، وأيًا كان الأمر، فقد وُلد عمر بن عبد العزيز في المدينة، وبها نشأ على رغبة من أبيه الذي تولى إمارة مصر بعد فترة قليلة من مولد ابنه، وظلّ واليًا على مصر عشرين سنة حتى توفي بها (65هـ- 85هـ= 685-704م).

وفي المدينة شبّ الفتى النابهُ بين أخواله من أبناء وأحفاد الفاروق "عمر"، واختلف إلى حلقات علماء المدينة، ونهل من علمهم، وتأدَّب بأدبهم، وكانت المدينة حاضرة العلم ومأوى أئمته من التابعين، ومَن طال عمره من الصحابة؛ فروى عن أنس بن مالك، وعبد الله بن جعفر بن أبي طالب، وسهل بن سعد، وسعيد بن المسيب، وعروة بن ال**ير، وأبي سلمة بن عبد الرحمن، والقاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، وسالم بن عبد الله بن عمر.
ثم انتقل عمر بن عبد العزيز من مرحلة التلقي والسماع إلى التحديث والرواية بعد أن رسخت قدمه في العلم، وتتلمذ على أئمة الحديث والفقه. وكان ممن روى عن عمر بن عبد العزيز من التابعين: أبو بكر بن حزم، ورجاء بن حيوة، والزهري، وأيوب السختياني وغيرهم.
وبعد مرحلة طلب العلم استدعاه عمه الخليفة عبد الملك بن مروان إلى دمشق حاضرة دولته، وزوّجه ابنته فاطمة، ثم عيّنه واليًا على إمارة صغيرة من أعمال حلب، وظل واليًا عليها حتى تُوفي عبد الملك بن مروان سنة (86هـ=705م).

والي المدينة
ولما تولى الوليد بن عبد الملك الخلافة بعد أبيه سنة (86هـ=705م) عيّن ابن عمه عمر بن عبد العزيز واليًا على المدينة خلفًا لواليها السابق هشام بن إسماعيل المخزومي، وكان هشام قد أساء السيرة في أهلها؛ فرغبوا عنه، ولم يرضوه حاكمًا عليهم، وقد استقبل أهل المدينة الوالي الجديد استقبالا حسنًا؛ فهم يعرفون خلقه وفضله منذ أن نشأ بينهم، وأحسنوا الظن فيه؛ فلم يخيب آمالهم، وبادر إلى العمل الجاد، واختيار معاونيه من خيرة الرجال، وأفضلهم قدرة وكفاءة، وكان من بينهم شيوخه: عروة بن ال**ير، والقاسم بن محمد، وسالم بن عبد الله بن عمر، فجمعهم، وأخبرهم بسياسته وطريقته في الحكم، وقال لهم: "إني دعوتكم لأمر تؤجرون فيه، ونكون فيه أعوانًا على الحق. ما أريد أن أقطع أمرًا إلا برأيكم أو برأي مَن حضر منكم؛ فإن رأيتم أحدًا يتعدَّى، أو بلغكم عن عامل ظُلامة، فأُحِّرج بالله على من بلغه ذلك إلا أبلغني".
وفي فترة ولايته نعمتْ المدينة بالهدوء والاستقرار، وشعر الناس بالأمن والعدل، وقام بتجديد المسجد النبوي وتحسين عمارته، ثم عزله الخليفة الوليد عن ولايته سنة (93هـ= 711م) بعد أن ظلّ على المدينة ست سنوات، ولم يكن عزله عن تقصير وإهمال أو تقاعس عن مباشرة أحوال الناس المدينة، ولكن عُزل بسبب وشاية استجاب لها الوليد، فأخرجه من منصبه، فعاد عمر إلى الشام، ولم يتولَّ منصبًا.
وظل عمر بن عبد العزيز حتى وفاة الوليد بن عبد الملك سنة (96هـ= 714م) في الشام، فلما تولى سليمان بن عبد الملك الخلافة من بعده أبقى على عمر، ولم يُولِّهِ منصبًا، وجعله في بلاطه مستشارًا وناصحًا، ومعاونًا له وظهيرًا؛ فلما حضرته الوفاة أُوصى له بالخلافة من بعده؛ لما رأى فيه من القدرة والكفاءة، والتقوى والصلاح، والميل إلى الحق والعدل؛ فتولاها في سنة (101هـ= 719م)
في منصب الخلافة
اجتمع لعمر بن عبد العزيز من الصفات والمواهب ما جعله خليفة قديرًا نادر المثال، ينهض بمسئوليته على خير وجه، وشاء الله أن يعتليَ منصب الخلافة والدولة في أوج قدرتها وعظمتها، بعد أن مرّت بفترات عاصفة، وأوقات حَرِجة، وفتن مظلمة، وثورات مدمرة، لكن الدولة تجاوزت تلك المخاطر، وفرضت هيبتها وسلطانها؛ فعاد الأمن والاستقرار، واستؤنف الفتح الإسلامي، وضمت الدولة إلى أراضيها بقاعا شاسعة في الشرق والغرب، وحسبك أن تعلم أن عمر بن عبد العزيز ولي منصبه وجيوش مسلمة بن عبد الملك تحاصر القسطنطينية عاصمة الدولة البيزنطية؛ فكان استقرار الدولة من أسباب ظهور أثر إصلاحات عمر، وسياسته الحكيمة، وإدارته العادلة.
وكان عمر إداريًا عظيمًا، إلى جانب صلاحه وتقواه، وزهده وورعه، وهو ما امتلأت به كتب السِّيَر والتراجم حتى كادت تطغى هذه الأخبار على ملامح شخصيته الثرية بجوانبها الأخرى.
سياسته الداخلية
وقبل أن يلي عمر بن عبد العزيز الخلافة تمرّس بالإدارة واليًا وحاكمًا، واقترب من صانعي القرار، ورأى عن كثب كيف تُدار الدولة، وخبر الأعوان والمساعدين؛ فلما تولى الخلافة كان لديه من عناصر الخبرة والتجربة ما يعينه على تحمل المسؤولية ومباشرة مهام الدولة، وأضاف إلى ذلك أن ترفَّع عن أبهة الحكم ومباهج السلطة، وحرص على المال العام، وحافظ على الجهد والوقت، ودقَّق في اختيار الولاة، وكانت لديه رغبة صادقة في تطبيق العدل.
وخلاصة القول أن عمر بن عبد العزيز لم يكن رجل زهد وولاية وجد نفسه فجأة خليفة؛ بل كان رجل دولة استشعر الأمانة، وراقب الله فيما أُوكل إليه، وتحمل مسؤولية دولته الكبيرة بجدٍّ واجتهاد؛ فكان منه ما جعل الناس ينظرون إليه بإعجاب وتقدير.
وكان يختار ولاته بعد تدقيق شديد، ومعرفة كاملة بأخلاقهم وقدراتهم؛ فلا يلي عنده منصبًا إلا من رجحت كفته كفاءة وعلمًا وإيمانًا، وحسبك أن تستعرض أسماء من اختارهم لولاياته؛ فتجد فيهم العالم الفقيه، والسياسي البارع، والقائد الفاتح، من أمثال أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، أمير المدينة وقاضيها، والجراح بن عبد الله الحكيمي، أمير البصرة، وكان قائدًا فاتحًا، وإداريًا عظيمًا، وعابدًا قائدًا، والسمح بن مالك أمير الأندلس، وكان قائدًا فذًا، استُشهد على أرض الأندلس، وكان باقي ولاته على هذه الدرجة من القدرة والكفاءة.
وكان عمر لا يكتفي بحسن الاختيار بعد دراسة وتجربة، بل كان يتابع ويراقب، لكن مراقبته لم تكن مراقبة المتهم، بل كان يراقب تطبيق السياسة العامة التي وضعها للدولة.
وإذا كان قد أخذ نفسه بالشدة والحياة الخشنة، فإنه لم يلزم بها ولاته، بل وسّع عليهم في العطاء، وفرض لهم رواتب جيدة تحميهم من الانشغال بطلب الرزق، وتصرفهم عن الانشغال بأحوال المسلمين، كما منعهم من الاشتغال بالتجارة، وأعطى لهم الحرية في إدارة شئون ولاتهم؛ فلا يشاورونه إلا في الأمور العظيمة، وكان يظهر ضيقه من الولاة إذا استوضحوه في الأمور الصغيرة.. كتب إليه أحد ولاته يستوضح منه أمرًا لا يحتاج إلى قرار من الخليفة، فضاق منه عمر، وكتب إليه: "أما بعد، فأراك لو أرسلتُ إليك أن اذبح شاة، ووزِّع لحمها على الفقراء، لأرسلت إلي تسألني: كبيرة أم صغيرة؟ فإن أجبتك أرسلت تسأل: بيضاء أم سوداء؟ إذا أرسلت إليك بأمر، فتبيَّن وجه الحق منه، ثم أمْضِه".
سياسته المالية
عرف عمر بن عبد العزيز قيمة مال الدولة؛ فلم ينفقه إلا فيما فيه نفع الأمة، وكان يكره التصرف في المال العام بلا ضابط أو رقيب، وكأنه مال خاص للخليفة أو الوالي ينفقه كيفما شاء، ويعطيه لمن شاء؛ ولذا كان يحترز في إنفاق مال الدولة؛ لأنه أمانة يجب صيانتها، ولكل فرد في الأمة حق فيها يجب حفظه، وأعطى عمر من نفسه القدوة والمثال في حفظ مال الدولة، فتبعه ولاته، وانتهجوا طريقته.
وكان من نتائج هذه السياسة أن تدفقت الأموال إلى خزينة بيت المال من موارد الدولة المتنوعة التي حافظ الولاة عليها، ورَعَوْهَا حقَّ رعايتها، وكانت كفيلة بأن تقوم بكل مسؤوليات الدولة تجاه أفرادها، وتحسين حياتهم إلى الحد الذي جعله يكتب إلى أحد ولاته: "أن اقضوا عن الغارمين"؛ أي أدوا عنهم دَيْنَهم، فكتب إليه: "إنا نجد الرجل له المسكن والخادم والفرس والأثاث"، فكتب إليه عمر: "إنه لا بد للمرء المسلم من سكن يسكنه، وخادم يعينه، وفرس يجاهد عليه.. اقضوا عنه فإنه غارم".
وبلغ من حرصه على الرفق برعيته، واحترامه لحقوق الإنسان أن جعل لكل أعمى قائدا يقوده ويخدمه، ولكل مريضين مرضًا شديدًا خادما لهما، ولكل خمسة أيتام أو من لا عائل لهم خادما يخدمهم، ويقوم على شؤونهم.
وفاضَ المال في بيت المال بفضل سياسته الحكيمة وعدله الناصع؛ فمكنه من فرض الرواتب للعلماء وطلاب العلم والمؤذنين، وفكّ رقاب الأسرى، وعالَ أسرَهُم في أثناء غيابهم، وقدم الأعطيات للسجناء مع الطعام والشراب، وحمّل بيت المال تكاليف زواج مَن لا يملك نفقاته.
لقد قام بيت المال بكل ما يحتاجه المسلمون حتى إن المنادي لينادي في كل يوم: أين الغارمون؟ أين الناكحون؟ أين المساكين؟ أين اليتامى؟… لقد اغتنى كل هؤلاء فلم تعد لهم حاجة إلى المال.
ويُذكر لعمر بن عبد العزيز أنه أسقط الجزية عن أبناء البلاد المفتوحة الذين دخلوا في الإسلام، وكان بعض عمال بني أمية لما أعوزهم المال بسبب الحروب واشتعال الثورات، أبقوا الجزية على هؤلاء، وأطلق عمر صيحته المشهورة رفضًا لهذا الإجراء: "إن الله بعث محمدًا هاديًا، ولم يبعثه جابيًا".
تدوين السنة
وكان لعمر بن عبد العزيز جانب مشرق في حياته المضيئة كلها، يكاد يخفي أهمية أعماله الأخرى، وإصلاحاته الكبرى، وعدله، ومناقبه التي امتلأت بها كتب التراجم والسير؛ فالمعروف أن الدولة الإسلامية تبنَّت تدوين السنة رسميًا في عهد عمر بن عبد العزيز بأمر منه، وكانت هذه خطوة بالغة الأهمية في عملية التدوين وظهور المصنفات الكبرى في الحديث وتنوع مناهجها، حتى بلغ بها الإمام البخاري قمة النضج في التصنيف والتبويب، وإذا كانت أعمال عمر الأخرى قد احتفظت بها كتب التاريخ آثارًا تروى، فإن قراره بتدوين السنة لا يزال أثره باقيًا حتى اليوم ينتفع به المسلمون ممثلا في كتب السنة النبوية.
وبدأ عمر الخطوة الأولى في تدوين السنة بكتابته إلى الأمصار يأمر العلماء بجمع الأحاديث وتدوينها، وكان فيما كتبه لأهل المدينة: "انظروا حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فاكتبوه؛ فإني خفت دُرُوس العلم، وذهاب أهله"، وكتب إلى أمير المدينة المنورة أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم: "اكتب إليَّ بما ثبت عندك من الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبحديث عمرة، فإني خشيت دُرُوس العلم وذهاب أهله".
كما أمر ابن شهاب الزهري وغيره بجمع السنن فكتبوها له، وكان ابن شهاب أحد الحفاظ الذين شاركوا في جمع الحديث، ويقول في ذلك: "أمرنا عمر بن عبد العزيز بجمع السنن، فكتبناها دفترًا دفترًا، فبعث إلى كل أرض له عليها سلطان دفترًا".
السياسة الخارجية
حين تولى عمر بن عبد العزيز الخلافة كانت الدولة الأموية قد بلغت أقصى اتساع لها في الشرق والغرب، وجيوشها على الحدود تقوم بالفتح، وتضيف للدولة بقاعًا جديدة، وليس ثَم شك في أن تبليغ كلمة الإسلام إلى أنحاء الأرض كلها أمر محمود، وهذه الفتوحات كانت من مآثر الدولة الأموية التي لا تنكر، غير أن الخليفة كان له رأي آخر يقوم على تقديم الأولويات وإعادة تنظيم الدولة من الداخل، والاهتمام بالإنسان ومراعاة حقوقه، والحرص على دمائه؛ لذا أولى الشئون الداخلية عنايته؛ لأنها كانت في حاجة لإصلاح ومزيد من التحسين، واهتم بنشر الإسلام في البلاد التي فُتحت أكثر من الاهتمام بالفتح نفسه، وعُني بإرسال الدعاة والعلماء أكثر من عنايته بإرسال الجيوش والحملات، غير أن هذا لا يعني أنه أوقف حركة الفتوحات بل يعني أنه رشدها، وبدلا من إنفاق الأموال الطائلة على تجهيزها وإعدادها وجّه هذه الأموال إلى العناية بالإنسان، وهذا يفسر أمره برجوع جيش مسلمة بن عبد الملك الذي كان يحاصر القسطنطينية، ولم يوفَّق في فتحها، واشتد بالمسلمين الحال، وضاق بهم العيش؛ فأشفق على الجيش المنهك، وأمره بالعودة حتى يستعيد قواه وعافيته، هذا في الوقت الذي كان واليه على الأندلس "السمح بن مالك" يقوم بفتوحات في الأندلس، وأنهى حياته شهيدًا في إحدى غزواته، فضلاً عن أن حياة عمر القصيرة في الخلافة، وانشغاله بالإصلاح الداخلي لم تتح له أن يقوم بحركة واسعة للفتوحات.
وفاته
كانت خلافة عمر كالنسيم العاطر، تنسم المسلمون هواءه الطيب ورائحته الزكية، وسرعان ما انقطع الهواء العليل، وعادت الحياة إلى ما كانت عليه قبل ولايته، غير أن أهم ما قدمه عمر هو أنه جدّد الأمل في النفوس أن بالإمكان عودة حكم الراشدين، وأن تمتلئ الأرض عدلاً وأمنًا وسماحة، وأنه يمكن أن يُقوم المعوَّج، وينصلح الفاسد، ويرد المنحرف إلى جادة الصواب، وأن تهب نسائم العدل واحترام الإنسان، إذا استشعر الحاكم مسئوليته أمام الله، وأنه مؤتمن فيما يعول ويحكم، واستعان بأهل الصلاح من ذوي الكفاءة والمقدرة.
ولم تطل حياة هذا الخليفة العظيم الذي أُطلق عليه "خامس الخلفاء الراشدين"، فتوفي وهو دون الأربعين من عمره، قضى منها سنتين وبضعة أشهر في منصب الخلافة، ولقي ربه في (24 رجب 101هـ=6 من فبراير720م).




تابع
التوقيع :

لمشاهدة الوصلات والصور في التوقيع أن يجب أن تكون لديك 10 مشاركات أو أكثر. أنت الآن تملك 0 مشاركة.


لمشاهدة الوصلات والصور في التوقيع أن يجب أن تكون لديك 10 مشاركات أو أكثر. أنت الآن تملك 0 مشاركة.

  رد مع اقتباس
قديم 11-11-2009, 03:35 PM   #10 (permalink)
مديره الموقع
 
الصورة الرمزية جنه حزينه من القلب
افتراضي

عبد الله المأمون


ولد عبد الله المأمون في [15 من ربيع الأول 170 هـ= 6 من سبتمبر 786م]، في اليوم الذي استُخلف فيه الرشيد، وقد سماه المأمون تيمنًا بذلك، وكانت أمه "مراجل" جارية فارسية، وما لبث أن توفيت بعد أيام من ولادته متأثرة بحمى النفاس.
وبالرغم من أن المأمون كان هو الابن الأكبر للخليفة هارون الرشيد، ومع كل ما كان يتميز به المأمون من نجابة وذكاء وعلو همة، وما حظي به من ثقة أبيه فيه.. فإن الرشيد آثر أن يجعل البيعة بولاية العهد للأمين، وقد كان ل**يدة أم الأمين الدور الأكبر في ذلك؛ فقد كان لها من المكانة لدى الرشيد ما لم يكن لأم المأمون، فاستغلت حظوتها لديه ومنزلة أخوال ولدها الأمين ومكانتهم لدى زوجها الرشيد في حثه على إعلان ولاية العهد لابنها الأمين وهو لم يتجاوز الخامسة من عمره سنة [175 هـ = 791هـ]، ولكن الرشيد عاد فأشرك المأمون مع أخيه في ولاية العهد سنة [183 هـ = 799م].
أراد الرشيد بذلك أن تستقر الأمور بين الأخوين من بعده، فلا يثور الخلاف بينهما ولا يحدث ما كان يحدث عادة من صراع حول الحكم بعد كل خليفة، فاستوثق لكل منهما من أخيه سنة (186 هـ = 802م) وأشهد على ذلك كبار رجال دولته.

الطريق إلى العرش
توفي الخليفة هارون الرشيد وتولّى الأمين الخلافة من بعده، وبدأ الخلاف يدب بين الأخوين، خاصة بعد تراجع الأمين عما قطعه لأبيه من عهود ومواثيق، حيث جعل ابنه موسى وليًا للعهد بدلاً من أخويه المأمون و"المؤتمن"، كما رفض أن يردَّ إلى أخيه المأمون مائة ألف دينار كان والده قد أوصى بها إليه، وسرعان ما تطور الخلاف بين الأخوين إلى صراع وقتال، ودارت حرب عنيفة بين الجانبين، وقامت جيوش المأمون بمحاصرة بغداد وانتهى الأمر بمقتل الأمين عام (198هـ = 813م)، وتولى المأمون على إثر ذلك الخلافة من بعده في [25 من المحرم 198هـ= 25من سبتمبر 813م].
القضاء على الفتن والثورات
سعى المأمون منذ الوهلة الأولى للعمل على استقرار البلاد، والقضاء على الفتن والثورات، فتصدى بحزم وقوة لثورات الشيعة، وواجه بحسم وعنف حركات التمرد ومحاولات الخروج على سلطة الخلافة، فقد قضى على حركة "ابن طباطبا العلوي" سنة [199هـ = 814م]، وثورة "الحسن بن الحسين" في الحجاز، و"عبد الرحمن بن أحمد بن عبد الله بن محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب" في اليمن سنة [207هـ = 822م].
وفي مقابل ذلك فإنه أقدم على خطوة جريئة، وأمر لم يسبقه إليه أحد من الخلفاء، فقد اختار أحد أبناء البيت العلوي وهو "علي بن موسى الرضا" ليكون وليًا للعهد من بعده، وقد أثار هذا الأمر غضب واستياء العباسيين؛ مما دفعهم إلى مبايعة "إبراهيم بن المهدي" –عم المأمون– بالخلافة سنة [202هـ =817م].
لما علم المأمون بذلك جهز جيشًا كبيرًا، وسار على رأسه من خراسان قاصدًا بغداد، فهرب إبراهيم بن المهدي من بغداد. وفي ذلك الوقت توفي علي بن موسى، فكان لذلك أكبر الأثر في تهدئة الموقف، فلما دخل المأمون بغداد عفا عن عمه.

نهضة علمية
شهد عصر المأمون نهضة حضارية كبيرة، فقد كان المأمون محبًا للعلم والأدب وكان شاعرًا وعالمًا وأديبًا، يحب الشعر ويجالس الشعراء ويشجعهم، وكان يعجب بالبلاغة والأدب، كما كان للفقه نصيب كبير من اهتمامه، وكان العلماء والأدباء والفقهاء لا يفارقونه في حضر أو سفر، وقد أدى تشجيعه للشعراء في أيامه إلى إعطاء الشعر دفعة قوية، وكان تشجيعه للعلوم والفنون والآداب والفلسفة ذا أثر عظيم في رقيها وتقدمها، وانبعاث حركة أدبية وعلمية زاهرة، ونهضة فكرية عظيمة امتدت أصداؤها من بغداد حاضرة العالم الإسلامي ومركز الخلافة العباسية إلى جميع أرجاء المعمورة، فقد استطاع المأمون أن يشيد صرحًا حضاريًا عظيمًا، وأن يعطي للعلم دفعة قوية ظلت آثارها واضحة لقرون عديدة.
لقد أرسل المأمون البعوث إلى "القسطنطينية" و"الإسكندرية" و"إنطاكية" وغيرها من المدن للبحث عن مؤلفات علماء اليونان، وأجرى الأرزاق على طائفة من المترجمين لنقل هذه الكتب إلى اللغة العربية، وأنشأ مجمعًا علميًا في بغداد، ومرصدين أحدهما في بغداد والآخر في "تدمر"، وأمر الفلكيين برصد حركات الكواكب، كما أمر برسم خريطة جغرافية كبيرة للعالم.
حركة الترجمة
وكان لتشجيعه حركة الترجمة أكبر الأثر في ازدهارها في عهده، فظهر عدد كبير من العلماء ممن قاموا بدور مهم في نقل العلوم والفنون والآداب والفلسفة إلى العربية، والإفادة منها وتطويرها، ومن هؤلاء:
"حنين بن إسحاق" الطبيب البارع الذي ألف العديد من المؤلفات الطبية، كما ترجم عددًا من كتب أرسطو وأفلاطون إلى العربية.
و"يحيى بن ماسويه" الذي كان يشرف على "بيت الحكمة" في بغداد وكان يؤلف بالسريانية والعربية، كما كان متمكنًا من اليونانية، وله كتاب طبي عن الحميات اشتهر زمنًا طويلاً، ثم ترجم بعد ذلك إلى العبرية واللاتينية.
و"ميخائيل بن ماسويه" وكان طبيب المأمون الخاص، وكان يثق بعلمه فلا يشرب دواءً إلا من تركيبه.

المأمون والروم
ولعل من أبرز الأسباب التي أدت إلى ظهور تلك النهضة الحضارية والعلمية في عصر المأمون ذلك الهدوء الذي ساد الأجواء بين الخلافة العباسية والروم، والذي استمر لأكثر من عشرة أعوام.
ولكن ما لبث أن تبدد ذلك الهدوء حينما بدأ المأمون حملاته ضد الروم عام [215هـ = 830م] ففتح عددًا من الحصون القريبة من حدود دولته، مثل حصن "قرة" و حصن "ماجدة" و حصن "سندس" وحصن "سنان" ثم عاد إلى الشام، ولكن الروم أغاروا على "طرسوس" وقتلوا نحو ألف وستمائة من أهلها، فعاد إليهم المأمون مرة أخرى، واستطاع أخوه "المعتصم" أن يفتح نحو ثلاثين حصنًا من حصون الروم.
وفي العام التالي أغار عليهم المأمون مرة أخرى، حتى طلب منه "تيوفيل" – ملك الروم- الصلح، وعرض دفع الفدية مقابل السلام.
ولم يمر وقت طويل حتى توفي المأمون في "البندون" قريبًا من طرسوس في [18 من رجب 218هـ= 10من أغسطس 833م] عن عمر بلغ ثمانية وأربعين عامًا، قضى منها في الخلافة عشرين عامًا.




تابع

التوقيع :

لمشاهدة الوصلات والصور في التوقيع أن يجب أن تكون لديك 10 مشاركات أو أكثر. أنت الآن تملك 0 مشاركة.


لمشاهدة الوصلات والصور في التوقيع أن يجب أن تكون لديك 10 مشاركات أو أكثر. أنت الآن تملك 0 مشاركة.

  رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

 
 
تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة
 
 
الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
حقائق علمية في القرآن لم يكتشفها العلماء إلا حديثا بالصور admin الاعجاز العلمي في القران والسنة 7 05-27-2010 07:33 PM
معلومات عن اتش بى admin اخبار التقنيه المعلوماتيه و التكنولوجيا 2 12-31-2009 06:29 PM
معلومات جميلـــــة الاء مالك الملك قسم المعلومات العامه 2 08-22-2009 08:14 AM
معلومات تهمك الاء مالك الملك منتدى السيرة النبويه والأحاديث 2 07-21-2009 12:36 AM
الجمال عامة جاهي جمالك سيدتى 2 06-24-2009 10:30 AM

ترتيب منتديـات جنة الاحلام عالمياً


سبحان الله وبحمده


PageRank


الساعة الآن 01:24 PM.

أقسام المنتدى

القسم الترفيهى @ التسويق الشبكى @ قسم الصور @ مكتبة الكترونية @ البرامج و الألعاب @ النكت والابتسامه @ العاب الكمبيوتر pc games @ كورسات جنة الاحلام @ قسم الرياضيات المتنوعه @ الجوال و الاتصالات @ اخبار التقنيه المعلوماتيه و التكنولوجيا @ الستالايت والفضائيات @ طلب الوظائف و التوظيف @ الاسره والطفل @ طفلك سيدتى @ طب الاعشاب والطب البديل @ احلى الاكلات العربيه والغربيه @ المنتدى الاسلامى @ جنه الاحلام العامه @ تطوير المواقع و المنتديات @ مجله جنة الاحلام @ الربح من الانترنت @ المليون دولار @ الالعاب والتسالى @ أزياء و موضة @ جمالك سيدتى @ قسم المعلومات العامه @ آدم و حواء @ ديكور و أثاث والمشغولات اليدويه @ برامج كمبيوتر @ برامج انترنت @ برامج ملتيميديا فيديو و صوت @ برامج الحماية والامان @ العاب البلاى ستيشن @ العاب جنة الاحلام @ الترحيب والتهانى @ سياحة وسفر @ القسم العام @ قسم الغرائب العجائب @ اخبار الرياضه العربيه @ كورسات كمبيوتر @ كورسات لغات @ كورسات محاسبة @ كورسات فوتوشوب @ كورسات التنمية البشرية @ الاخبار العربيه والعالميه @ شبكات الحاسوب @ افلام الانمى @ افلام الانمى المدبلجة @ مسلسلات الانمى @ افلام الانمى المترجمة @ الافلام والمسلسلات @ الافلام العربية @ الأفلام الأجنبية @ المسلسلات والمسرحيات @ الأفلام الوثائقية @ أحدث مقاطع الفيديو @ الاقسام الاداريه @ منتدى الشكاوى والاقتراحات @ عروض التبادل الأعلاني @ الخيمة الرمضانية @ الاعجاز العلمي في القران والسنة @ المنتدى الاخبارى @ اخبار الرياضه العالميه @ اخبار الفن والفنانين @ عالم الجن @ الحوادث والقضايا العربيه والعالميه @ الافلام الهندية @ منتدى القرأن الكريم وتفسيره @ منتدى السيرة النبويه والأحاديث @ الصوتيات والمرئيات دروس وخطب @ منتدى الشريعة والحياة @ منتدى مناصرة الرسول عليه الصلاة والسلام @ القسم الادبى @ جنه الاحلام لابداعات الاعضاء بالشعر والخواطر @ قسم الشعر والخواطر المنقوله @ قسم الادب العربى @ قسم القصص الحقيقيه والخياليه @ قسم الاغانى العربيه واحدث الكلبات @ قسم الاغانى الاجنبيه واحدث الكلبات @ قسم الاغانى الشعبيه @ صور الانمى @ قسم الارشيف والمواضيع المحزوفه @ قسم خاص للمشرفين @ النقاش الجاد والحاد @ قسم الفوتوشوب @ منتدى التربيه والتعليم @ منتدى التاريخ @ برامج الهكر @ منتدى القصص الاسلامى @ صور الفنانين @ منتدى اللغة العربية والأدب @ كادر المعلمين واخبار التربيه والتعليم @ شخصيات تاريخيه @ كرسى الاعتراف @ المواضيع الخاصه بادم @ ازياء ادم @

Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2010

تصميم يزيد